شفاء العليل

فوالله؛ لو أن أبُقْراط ودونه أوصوا بمثل هذا لخضع أتباعهم لهم فيه، وعظّموهم عليه غاية التعظيم، وأبدوا له من الحِكَم والفوائد ما قدروا عليه.

ثم لما كان العبد خارج الصلاة مهملَ جوارِحِه١، قد أسامها في مراتع الشهوات والحظوظ= أُمِر بعبوديةٍ تَجْمعُ جوارحه٢ كلّها على ربه، وتأخذُ بحظّها من عبوديته، فيسلّم قلبه وبدنه وجوارحه وحواسّه وقواه لربّه ﷿، واقفًا بين يديه، مُقبِلًا بكلّه عليه، معرضًا عمّا سواه، متنصِّلًا إليه من إعراضه عنه، وجنايته على حقّه.

ولما كان هذا طبعه ودأبه أُمِر أن يجدّد هذا الرجوع إليه والإقبال عليه وقتًا بعد وقت؛ لئلا يطول عليه الأمد فينسى ربَّه، وينقطع عنه بالكلية، فكانت الصلاة من أعظم نعم الله عليه، وأفضل هداياه التي ساقها إليه، فأبى نفاة الحكمة إلا جَعْلها كلفة وعناء وتعبًا، لا لحكمة ولا لمصلحة البتَّة إلا مجرد القهر والمشيئة!

وقد فُتِحَ لك البابُ فسُق الشريعة كلَّها من أولها إلى آخرها هذا المساق، واستدِلّ بما ظهر لك على ما خفي عنك، ولعل الحكمة فيما لم تعلمه أعظم منها فيما علمته؛ فإن الذي علمته على قدر عقلك وفهمك، وما خفي عنك فهو فوق عقلك وفهمك، ولو تتبعنا تفصيل ذلك لجاء عدّة أسفار، فيُكتَفى منه بأدنى تنبيه، والله المستعان.

  1. (١) هكذا في الأصول على الإضافة.
  2. (٢) قراءة محتملة من «د» أقرب للسياق، وفي «م»: «أمر بعبوديته بجميع جوارحه» دون إعجام.
229

الوجه الثالث والعشرون: أن هذه الجمادات والحيوانات المختلفة الأشكال والمقادير والصفات والمنافع والقوى والأغذية، والنباتات التي هي كذلك= فيها من الحِكَم والمنافع ما قد أكثرت الأمم في وصفه وتجربته على ممر الدهور، ومع ذلك فلم يصلوا منه إلا إلى أيسر شيء وأقله، بل لو اتفق جميع الأمم لم يحيطوا علمًا بجميع ما أُودِع واحدٌ من ذلك النوع من الحِكَم والمصالح.

هذا إلى ما في ضمن ذلك من الاعتبار والدلالة الظاهرة على وجود الخالق ومشيئته وإرادته واختياره وعلمه وقدرته وحكمته، فإن المادة الواحدة لا تحتمل بنفسها هذه الصور الغريبة والأشكال المتنوعة والمنافع والصفات ولو تركبت مع غيرها، فليس حدوث هذه الأنواع والصور بنفس التركيب أيضًا، ولا هو مقتضٍ له، فحصول هذا التنوع والتفاوت والاختلاف في الحيوان والنبات من أعظم آيات الرب تعالى، ودلائل ربوبيته وقدرته وحكمته وعلمه، وأنه فَعَّال لما يريد اختيارًا ومشيئةً، فتنويع مخلوقاته وحدوثها شيئًا بعد شيء من أظهر الدلالات.

وتأمل كيف أرشد القرآن إلى ذلك في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤].

230

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي