والمقصود أن من الغايات المطلوبة١ العلم بإحاطة عِلم واحد من عالِم واحد، وفِعْل واحد من فاعل واحد، وقدرة واحدة من قادر واحد، وحكمة واحدة من حكيم واحد، بجميع العالم على اختلاف ما فيه. واجتمعت غايات فعله وأمره إلى غاية واحدة، وذلك من أظهر أدلة توحيد الإلهية، كما ابتدأت كلها من خالق واحد، وقادر واحد، ورب واحد.
ودلَّ على الأمرين ــ أعني توحيد الربوبية والإلهية ــ النظام الواحد والحكمة الجامعة للأنواع المختلفة مع كثرتها وتعددها، ودلّ افتقار بعضها إلى بعض، وتشبّك بعضها ببعض، ومعاونة بعضها لبعض، وارتباطه به= على أنها صنع فاعل واحد، وربّ واحد.
فلو كان معه آلهة وأرباب غيره لذهب كل إله بخلقه واستبدّ به، ولم يرضَ لنفسه أن يحتاج خلقُه إلى خَلْقِ غيره، كما لا ترضى ملوك الدنيا أن يحتاج مملوكُ أحدِهم إلى مملوكِ غيرِه٢؛ لما في ذلك من النقص والعيب المنافي لكمال الاقتدار والغنى، ودلَّ انتظامها في الوجود، ووقوعها مع تباينها، واختلافها على أكمل الوجوه وأحسنها، على انتهائها إلى غاية واحدة ومطلوب واحد هو إلهها الحق، ومعبودها الأعلى، الذي لا إله لها غيره، ولا معبود لها سواه.
فتأمل كيف دلّ اختلاف الموجودات وتباينها، واجتماعها فيما اجتمعت فيه، وافتراقها فيما افترقت فيه على إله واحد، وربّ واحد، ودلت على صفات كماله ونعوت جلاله.
(١) «م»: «الآيات المطلوبة».
(٢) «م»: «غيره مثله»، وهذه الزيادة مفسدة للمعنى.
فالموجودات بأسرها كعسكر واحد، له مَلِك واحد، وسلطان واحد، يحفظ بعضه ببعض، وينظم مصالح بعضه ببعض، ويسد خلل بعضه ببعض، فيمد هذا بهذا، ويقوي هذا بهذا، وينقص من هذا فيزيده في الآخر، ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ اَلْمَيْتِ وَتُخْرِجُ اُلْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾[آل عمران: ٢٧]، ويبيد هذا فينشئ مكانه من جنسه ما يقوم مقامه، ويسدّ مسده، فيشهد حدوث الثاني أن الذي أحدثه وأوجده هو الذي أحدث الأول لا غيره، وأن حكمته لم تتغير، وعلمه لم ينقص، وقدرته لم تضعف، وأنه لا يتغير بتغير ما تغير منها، ولا يضمحل باضمحلاله، ولا يتلاشى بتلاشيه، بل هو الحي القيوم، العزيز الحكيم.
هذا إلى ما في لوازم مكثها وانتظام بعضها ببعض، وما يصدر عنها من الأفعال والآثار من حِكَم وأفعال أخرى وغايات أُخَر حُكْمها حُكْم موادها وحواملها، كما نشاهده في أشخاصها وأعيانها.
فتأمل١ ذلك في جزئية واحدة: أنك ترى المعدة تشتاق الغذاء وتجتذبه إليها، فانظر لوازم ذلك قبل تناوله، ولوازمه بعد تناوله، وما يترتب على تلك اللوازم من عمارة الدنيا، فإذا جذبَتْه إليها أنضجتْه وطبختْه، كما تُنْضِج القدرُ ما فيها، فتنضجه الإنضاج الذي تعده لتغذي جميع أجزاء البدن وقواه وأرواحه به، وهي وإن أنضجته لأجل نصيبها الذي ينالها منه فهو قليل من كثير بالنسبة إلى انتفاع غيرها به، فتدفع ما فضل عن غذائها عنها إلى من هو شديد الحاجة إليه على قدر حاجته، من غير أن يقصد ذلك أو يشعر به،