شفاء العليل

الإحسان والرزق والرحمة ونحوها، ولابد من ظهور متعلّقات هذه وهذه.

ومنها: أنه سبحانه المَلِك التام المُلْك، ومن تمام ملكه عموم تصرفه وتنوعه بالثواب والعقاب، والإكرام والإهانة، والعدل والفضل، والإعزاز والإذلال، فلابدّ من وجود من يتعلق به أحد النوعين، كما أوجد من يتعلق به النوع الآخر.

ومنها: أنّ من أسمائه الحكيم، والحكمة من صفاته سبحانه، وحكمته تستلزم وضع كل شيء موضعه الذي لا يليق به سواه، فاقتضت خَلْق المتضادات وتخصيص كل واحد منها بما لا يليق به غيره من الأحكام والصفات والخصائص، وهل تتم الحكمة إلا بذلك؟ فوجود هذا النوع من تمام الحكمة، كما أنه من كمال القدرة.

ومنها: أنّ حَمْده سبحانه تام كامل من جميع الوجوه، فهو محمود على عدله ومنعه وخفضه وانتقامه وإهانته، كما هو محمود على فضله وعطائه ورفعه وإكرامه، فله الحمد التام الكامل على هذا وهذا، وهو يحمد نفسه على ذلك كله، ويحمده عليه ملائكتُه ورسلُه وأولياؤه، ويحمده عليه أهلُ الموقف جميعهم، وما كان من لوازم كمال حمده وتمامه فله في خلقه وإيجاده الحكمة التامة، كما له عليه الحمد التام، فلا يجوز تعطيل حمده، كما لا يجوز تعطيل حكمته.

ومنها: أنه سبحانه يحب أن يُظْهِر لعباده حلمَهُ وصبرَهُ وأناتَهُ١ وسعَةَ رحمته وجوده، فاقتضى ذلك خَلْق مَن يُشرك به، ويضادّه في حكمه، ويجتهد

  1. (١) «م»: «حكمه وصبره وآياته» تصحيف.
249

في مخالفته، ويسعى في مساخطه، بل يشتمه١ سبحانه، وهو مع ذلك يسوق إليه أنواع الطيبات، ويرزقه ويعافيه، ويمكّن له من أسباب ما يلتذّ به من أصناف النعم، ويجيب دعاءه، ويكشف عنه السوء، ويعامله من برِّه وإحسانه بضد ما يعامله هو به من كفره وشركه وإساءته، فلله كم في ذلك من حكمة وحمد، وتحبُّب إلى أوليائه، وتعرّف إليهم بأنواع كمالاته.

كما في «الصحيح»٢ عنه ﷺ أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم».

وفي «الصحيح»٣ عنه ﷺ فيما يروي عن ربه: «شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفؤًا أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته».

وهو سبحانه مع هذا الشتم له والتكذيب يرزق الشاتم المكذِّب ويعافيه ويدفع عنه، ويدعوه إلى جنته، ويقبل توبته إذا تاب إليه، ويبدله بسيئاته حسنات، ويتلطّف به في جميع أحواله، ويؤهله لإرسال رسله إليه، ويأمرهم بأن يُلينوا له القول ويرفقوا به.

  1. (١) قراءة محتملة من «م»، وفي «د»: «يشبهه» دون إعجام.
  2. (٢) البخاري (٦٠٩٩)، ومسلم (٢٨٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري.
  3. (٣) البخاري (٣١٩٣، ٤٩٧٤، ٤٩٧٥) من حديث أبي هريرة، وابن عباس (٤٤٨٢) بألفاظ مقاربة.
250

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي