في مخالفته، ويسعى في مساخطه، بل يشتمه١ سبحانه، وهو مع ذلك يسوق إليه أنواع الطيبات، ويرزقه ويعافيه، ويمكّن له من أسباب ما يلتذّ به من أصناف النعم، ويجيب دعاءه، ويكشف عنه السوء، ويعامله من برِّه وإحسانه بضد ما يعامله هو به من كفره وشركه وإساءته، فلله كم في ذلك من حكمة وحمد، وتحبُّب إلى أوليائه، وتعرّف إليهم بأنواع كمالاته.
كما في «الصحيح»٢ عنه ﷺ أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم».
وفي «الصحيح»٣ عنه ﷺ فيما يروي عن ربه: «شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفؤًا أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته».
وهو سبحانه مع هذا الشتم له والتكذيب يرزق الشاتم المكذِّب ويعافيه ويدفع عنه، ويدعوه إلى جنته، ويقبل توبته إذا تاب إليه، ويبدله بسيئاته حسنات، ويتلطّف به في جميع أحواله، ويؤهله لإرسال رسله إليه، ويأمرهم بأن يُلينوا له القول ويرفقوا به.
(١) قراءة محتملة من «م»، وفي «د»: «يشبهه» دون إعجام.
(٢) البخاري (٦٠٩٩)، ومسلم (٢٨٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٣) البخاري (٣١٩٣، ٤٩٧٤، ٤٩٧٥) من حديث أبي هريرة، وابن عباس (٤٤٨٢) بألفاظ مقاربة.
قال الفضيل بن عياض: «ما من ليلة يختلط ظلامها إلا نادى الجليل ﷻ: مَن أعظم مني جودًا؟ الخلائق لي عاصون وأنا أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضّل على المسيء، مَن ذا الذي دعاني فلم ألبِّه، ومن ذا الذي سألني فلم أعطه؟ أنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم، ومن كرمي أني أعطي العبد ما سألني، وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني، فأين عني يهرب الخلق، وأين عن بابي يتنحّى العاصون؟»١.
وفي أثر إلهي: «إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أَخْلُقُ ويُعبَدُ غيري، وأَرْزُقُ ويُشْكَر سواي»٢.
وفي أثر آخر٣: «ابنَ آدم، ما أنصفتني، خيري إليك نازل، وشرُّك إليّ صاعد، كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وكم تتبغّض إليّ بالمعاصي وأنت فقير إليّ، ولا يزال المَلَك الكريم يعرج إليّ منك بعمل قبيح»٤.
(١) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٩٢).
(٢) أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (٩٧٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤٢٤٣)، من طريق عبد الرحمن بن جبير وشريح بن عبيد عن أبي الدرداء مرفوعًا، وفي إسناده انقطاع، عبد الرحمن وشريح لم يدركا أبا الدرداء، انظر: «فيض القدير» (٤/ ٤٦٩)، «السلسلة الضعيفة» (٢٣٧١).
(٣) «د»: «أثر حسن».
(٤) أخرجه بنحوه الرافعي في «التدوين» (٣/ ٤)، وابن عساكر في «المعجم» (٢/ ٩٩٣) من حديث علي بن أبي طالب يرفعه، وفي إسناده وضاع، كما في «السلسلة الضعيفة» (٣٢٨٧). وأسنده الدينوري في «المجالسة» (٢/ ٣٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٢٧) عن وهب قال: «قرأت في بعض الكتب» بنحوه.