شفاء العليل

قال الفضيل بن عياض: «ما من ليلة يختلط ظلامها إلا نادى الجليل ﷻ: مَن أعظم مني جودًا؟ الخلائق لي عاصون وأنا أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضّل على المسيء، مَن ذا الذي دعاني فلم ألبِّه، ومن ذا الذي سألني فلم أعطه؟ أنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم، ومن كرمي أني أعطي العبد ما سألني، وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني، فأين عني يهرب الخلق، وأين عن بابي يتنحّى العاصون؟»١.

وفي أثر إلهي: «إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أَخْلُقُ ويُعبَدُ غيري، وأَرْزُقُ ويُشْكَر سواي»٢.

وفي أثر آخر٣: «ابنَ آدم، ما أنصفتني، خيري إليك نازل، وشرُّك إليّ صاعد، كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وكم تتبغّض إليّ بالمعاصي وأنت فقير إليّ، ولا يزال المَلَك الكريم يعرج إليّ منك بعمل قبيح»٤.

  1. (١) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٩٢).
  2. (٢) أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (٩٧٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤٢٤٣)، من طريق عبد الرحمن بن جبير وشريح بن عبيد عن أبي الدرداء مرفوعًا، وفي إسناده انقطاع، عبد الرحمن وشريح لم يدركا أبا الدرداء، انظر: «فيض القدير» (٤/ ٤٦٩)، «السلسلة الضعيفة» (٢٣٧١).
  3. (٣) «د»: «أثر حسن».
  4. (٤) أخرجه بنحوه الرافعي في «التدوين» (٣/ ٤)، وابن عساكر في «المعجم» (٢/ ٩٩٣) من حديث علي بن أبي طالب يرفعه، وفي إسناده وضاع، كما في «السلسلة الضعيفة» (٣٢٨٧).
    وأسنده الدينوري في «المجالسة» (٢/ ٣٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٢٧) عن وهب قال: «قرأت في بعض الكتب» بنحوه.
251

وفي الحديث الصحيح: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون فيغفر لهم»١.

فهو سبحانه لكمال محبته لأسمائه وصفاته اقتضى حمده وحكمته أن يخلق خلقًا يُظهر فيهم أحكامها وآثارها، فلمحبته للعفو خَلَق مَنْ يحسن العفو عنه، ولمحبته للمغفرة خَلَق مَنْ يغفر له، ويحلم عنه، ويصبر عليه ولا يعاجله، بل يكون تحت٢ أمانه وإمهاله، ولمحبته لعدله وحكمته خَلَق مَنْ يظهر فيهم عدله وحكمته، ولمحبته للجود والإحسان والبر خَلَق مَنْ يعامله بالإساءة والعصيان وهو سبحانه يعامله بالمغفرة والإحسان، فلولا خَلْق مَن تجري على أيديهم أنواع المعاصي والمخالفات لفاتت هذه الحِكَم والمصالح، وأضعافها وأضعاف أضعافها.

فتبارك الله رب العالمين، وأحكم الحاكمين، ذو الحكمة البالغة، والنعم السابغة، الذي وصلت حكمته إلى حيث وصلت قدرته، وله في كل شيء حكمة باهرة، كما أن له فيه قدرة قاهرة.

وهذا باب إنما ذكرنا منه قطرة من بحر، وإلا فعقول البشر أعجز وأضعف وأقصر من أن تحيط بكمال حكمته في شيء من خلقه، فكم حصل بسبب هذا المخلوق البغيض للرب المسخوط له من محبوب له تبارك

  1. (١) تقدم تخريجه في (١/ ٣٧٨).
  2. (٢) مهملة في الأصول، وفي «ط»: «يحب».
252

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي