شفاء العليل

وفي الحديث الصحيح: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون فيغفر لهم»١.

فهو سبحانه لكمال محبته لأسمائه وصفاته اقتضى حمده وحكمته أن يخلق خلقًا يُظهر فيهم أحكامها وآثارها، فلمحبته للعفو خَلَق مَنْ يحسن العفو عنه، ولمحبته للمغفرة خَلَق مَنْ يغفر له، ويحلم عنه، ويصبر عليه ولا يعاجله، بل يكون تحت٢ أمانه وإمهاله، ولمحبته لعدله وحكمته خَلَق مَنْ يظهر فيهم عدله وحكمته، ولمحبته للجود والإحسان والبر خَلَق مَنْ يعامله بالإساءة والعصيان وهو سبحانه يعامله بالمغفرة والإحسان، فلولا خَلْق مَن تجري على أيديهم أنواع المعاصي والمخالفات لفاتت هذه الحِكَم والمصالح، وأضعافها وأضعاف أضعافها.

فتبارك الله رب العالمين، وأحكم الحاكمين، ذو الحكمة البالغة، والنعم السابغة، الذي وصلت حكمته إلى حيث وصلت قدرته، وله في كل شيء حكمة باهرة، كما أن له فيه قدرة قاهرة.

وهذا باب إنما ذكرنا منه قطرة من بحر، وإلا فعقول البشر أعجز وأضعف وأقصر من أن تحيط بكمال حكمته في شيء من خلقه، فكم حصل بسبب هذا المخلوق البغيض للرب المسخوط له من محبوب له تبارك

  1. (١) تقدم تخريجه في (١/ ٣٧٨).
  2. (٢) مهملة في الأصول، وفي «ط»: «يحب».
252

وتعالى يتضاءل في جنبه ما حصل به من مكروهه.

والحكيم الباهر الحكمة هو الذي يحصّل أحب الأمرين إليه باحتمال المكروه الذي يبغضه ويسخطه إذا كان طريقًا إلى حصول ذلك المحبوب، ووجود الملزوم بدون لازمه محال.

فإن يكن قد حصل بعدو الله إبليس من الشرور والمعاصي ما حصل فكم حصل بسبب وجوده ووجود جنوده من طاعة هي أحب إلى الله، وأرضى له من جهاد في سبيله، ومخالفة هوى النفس وشهوتها له، وتحمّل المشاق والمكاره في محبته ومرضاته، وأحب شيء للحبيب أن يرى مُحِبّه يتحمل لأجله من الأذى والوصب ما يصدِّق محبَّتَه:

من أجلك قد جعلت خدي أرضًاللشامت والحسود حتى ترضى١

وفي أثر إلهي: «بِعَيْني٢، ما يتحمّل المتحملون من أجلي»٣.

فلله ما أحب إليه احتمال محبيه أذى أعدائه لهم فيه وفي مرضاته، وما أنفع ذلك الأذى لهم، وما أحمدهم لعاقبته، وماذا ينالون به من كرامة حبيبهم وقربه، وقرة عيونهم به، ولكن حرام على منكري محبّة الرب تعالى أن يشموا لذلك رائحة، أو يدخلوا من هذا الباب، أو يذوقوا من هذا الشراب.

  1. (١) تمثّل به ابن الجوزي في «المدهش» (١٨١)، والمؤلف في «المدارج» (٣/ ٢٢٢٢).
  2. (٢) هكذا هي مجوّدة في «م»، وفي مصادر الرواية، ووقعت في «ط»: «بغيتي».
  3. (٣) جزء من أثر طويل يُروى من طريق وهب بن منبه وغيره عن بعض كتب الأوّلين، رواه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٦٠) (٩/ ٢٥٥) (١٠/ ٨٠)، وابن أبي الدنيا في «حسن الظن بالله» (٩٠)، وأورده المؤلف في «عدة الصابرين» (٨١) وغيره.
253

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي