شفاء العليل
فقل للعيون العُمْيِ: للشمس أعينٌسواك تراها في مغيب ومطلعِ
وسامح نفوسًا لم تؤهل لحبهمفما يحسن التخصيص في كل موضعِ١

فإنْ أغضب هذا المخلوق ربّه فقد أرضاه فيه أنبياؤه ورسله وأولياؤه، وذلك الرضا أعظم من ذلك الغضب، وإن أسخطه ما يجري على يديه من المعاصي والمخالفات فإنه سبحانه أشدّ فرحًا بتوبة العاصي٢ من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه إذا وجدها في المَفَاوز المهلكات، وإن أغضبه ما جرى على أنبيائه ورسله من هذا العدو فقد سَرّه وأرضاه ما جرى على أيديهم من حربه ومعصيته ومراغمته وكبته وغيظه، وهذا الرضا أعظم عنده وأبرّ لديه من فوات ذلك المكروه المستلزِم لفوات هذا المَرْضي المحبوب، وإنْ أسخطه أكْلُ آدم من الشجرة فقد أرضاه توبته وإنابته وخضوعه وتذلّله بين يديه وانكساره له، وإنْ أغضبه إخراجُ أعدائه لرسوله من حرمه وبلدته ذلك الخروج فقد أرضاه أعظم الرضا دخوله إليها ذلك الدخول، وإنْ أسخطه قتْلُهُم أولياءَه وأحبابَه وتمزيقُ لحومهم وإراقةُ دمائهم فقد أرضاه نيلهم الحياة التي لا أطيب منها ولا أنعم ولا ألذ في قربه وجواره، وإن أسخطه معاصي عباده وذنوبُهُم فقد أرضاه شهود ملائكته وأنبيائه ورسله وأوليائه سعة مغفرته وعفوه وبرّه وكرمه وجوده، والثناء عليه بذلك، وحمده وتمجيده بهذه٣ الأوصاف التي حمْده بها والثناء عليه بها أحب إليه وأرضى

  1. (١) أنشدهما المؤلف بألفاظ متقاربة في مواضع من كتبه، منها: «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٢٠٠)، وضمن عدة أبيات بقافية مختلفة في «مدارج السالكين» (٤/ ٢٨٢٧).
  2. (٢) «د»: «عبده».
  3. (٣) «م»: «فهذه».
254

له من فوات تلك المعاصي، وفوات هذه المحبوبات.

واعلم أن الحمد هو الأصل الجامع لذلك كله، فهو عقد نظام الخلق والأمر، والربّ تعالى له الحمد كله بجميع وجوهه واعتباراته وتصاريفه، فما خَلَق شيئًا ولا حَكَم بشيء إلا وله فيه الحمد، فوصَل حمده إلى حيث وصَل خَلْقه وأَمْره حمدًا حقيقيًا، يتضمن محبته والرضا به وعنه، والثناء عليه، والإقرار بحكمته البالغة في كل ما خلقه وأمر به.

فتعطيل حكمته عين تعطيل حمده كما تقدم بيانه، فكما أنه لا يكون إلا حميدًا؛ فلا يكون إلا حكيمًا، فحمده وحكمته كعلمه وقدرته وحياته من لوازم ذاته، ولا يجوز تعطيل شيء من صفاته وأسمائه عن مقتضياتها وآثارها؛ فإن ذلك يستلزم النقص الذي يناقض كماله وكبرياءه وعظمته.

يوضحه الوجه الخامس والعشرون: أنه كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء أنه يجود ويعطي ويمنح= فمنها أن يعيذ وينصر ويغيث، فكما يحب أن يلوذ به اللائذون يحب أن يعوذ به العائذون، وكمال الملوك أن يلوذ بهم أولياؤهم ويعوذوا بهم، كما قال أحمد بن حسين الكندي في ممدوحه:

يا من ألوذ به فيما أؤمّلُهُومن أعوذ به مما أحاذرُهُ
لا يجبر الناسُ عظمًا أنت كاسرُهُولا يَهِيضون عظمًا أنت جابرُهُ١

ولو قال ذلك في ربّه وفاطره لكان أسعد به من مخلوق مثله.

والمقصود أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به مماليكه، وأن يعوذوا به،

  1. (١) «ديوان المتنبي بشرح الواحدي» (٦٦).
255

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي