شفاء العليل

فالجواب أن يقال: كم لله سبحانه في ذلك من حكمة، وكم فيه من نعمة ومصلحة تعجز العقول عن معرفتها على التفصيل، ولو استفرغت قواها كلها في معرفة ذلك.

وإهباط آدم وإخراجه من الجنة كان نفسَ كماله؛ ليعود إليها على أحسن أحواله، وهو سبحانه إنما خلقه ليستعمره وذريته في الأرض، ويجعلهم يخلف بعضهم بعضًا، فخلقهم سبحانه ليأمرهم وينهاهم ويبتليهم، وليست الجنة دار ابتلاء وتكليف.

فأخرج الأبوين إلى الدار التي خُلِقوا منها وفيها ليتزوّدوا منها إلى الدار التي خُلِقوا لها، فإذا ذاقوا تعب دار التكليف ونصبها وأذاها عرفوا قدر تلك الدار وشرفها وفضلها، ولو نشأوا في تلك الدار لما عرفوا قدر نعمته عليهم بها، فأسكنهم دار الامتحان، وعرّضهم فيها لأمره ونهيه؛ لينالوا بالطاعة أفضل ثوابه وكرامته، وكان من الممكن أن يحصل لهم النعيم المقيم هناك، لكن الحاصل عقيب الابتلاء والامتحان، ومعاناة الموت وما بعده، وأهوال القيامة، والعبور على الصراط= نوع آخر من النعيم لا يُدْرَك قدره، وهو أكمل مِنْ نعيم مَنْ خُلِق في الجنة من الوِلْدان والحور العين، بما لا نسبة بينهما بوجه من الوجوه.

ومن الحِكَم في ذلك أنه سبحانه أراد أن يتخذ من ذرية آدم رسلًا وأنبياء وشهداء، يحبهم ويحبونه، وينزل عليهم كتبه، ويعهد إليهم عهده، ويستعبدهم له في السراء والضراء، ويؤثرون محابه ومراضيه على شهواتهم وما يحبونه ويهوونه، فاقتضت حكمته أن أنزلهم إلى دارٍ ابتلاهم فيها بما ابتلاهم ليكملوا بذلك الابتلاء مراتب عبوديته، ويعبدونه بما تكرهه

259

نفوسهم، وذلك محض العبودية، وإلا فمَنْ لا يعبد الله إلا بما يحبه ويهواه فهو في الحقيقة إنما يعبد نفسه.

وهو سبحانه يحب من أوليائه أن يوالوا فيه، ويعادوا فيه، ويبذلوا نفوسهم في مرضاته ومحابه، وهذا كله لا يحصل في دار النعيم المطلق.

ومن الحكمة في إخراجه من الجنة ما تقدم التنبيه عليه من اقتضاء أسماء الله الحسنى لمسمياتها ومتعلقاتها، كالغفور الرحيم التواب، العفو المنتقم، الخافض الرافع، المعز المذل، المحيي المميت الوارث، ولابد من ظهور أثر هذه الأسماء ووجود ما تتعلق به، فاقتضت حكمته أن أنزل الأبوين من الجنة ليظهر مقتضى أسمائه وصفاته فيهما وفي ذريتهما، فلو تَربّت الذرية في الجنة لفاتت آثار هذه الأسماء وتعلقاتها، والكمال الإلهي يأبى ذلك، فإنه الملك الحق المبين، والملك هو الذي يأمر وينهى، ويكرم ويهين، ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعزّ ويذلّ، فأنزل الأبوين والذرية إلى دار تجري عليهم فيها هذه الأحكام.

وأيضًا: فإنهم أُنْزِلوا إلى دار يكون إيمانهم فيها تامًا، فإن الإيمان قول وعمل، وجهاد وصبر واحتمال، وهذا كله إنما يكون في دار الامتحان لا في جنة النعيم.

وقد ذكر غير واحد من أهل العلم - منهم أبو الوفاء بن عقيل١ وغيره ـ:

  1. (١) وله مصنف مفرد في ذلك باسم: «تفضيل العبادات على نعيم الجنات»، ذكره ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (١/ ١٥٦)، وأشار إليه في كتابه «استنشاق نسيم الأنس» (٩٨) دون تسمية مؤلفه، ونقد هذه التسمية. وأشار إليه ابن القيم في «عدة الصابرين» (٣٣٢)، ونقده أيضًا. (العمير).
260

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي