ونَصْر المظلوم، وجَبْر الكسير، ورَفْع بعض خلقه على بعض وجَعْلِهم درجات؛ ليُعرف قدرُ فضله وتخصيصه، فاقتضى ملكه التام وحمده الكامل أن يخرجهم إلى دار تحصل فيها محبوباته سبحانه، وإن كان لكثير منها طرق وأسباب يكرهها، فالموقوف على الشيء لا يحصل بدونه، وإيجاد لوازم الحكمة من الحكمة، كما أن إيجاد لوازم العدل من العدل، كما ستقف عليه في فصل إيلام الأطفال إن شاء الله١.
الوجه الثامن والعشرون: أنه سبحانه أبرَزَ خلقه من العدم إلى الوجود ليجري عليه أحكام أسمائه وصفاته، فيظهر كماله المقدّس - وإن كان لم يزل كاملًا ـ، فمن كماله ظهور آثار كماله في خلقه وأمره، وقضائه وقدره، ووعده ووعيده، ومنعه وإعطائه، وإكرامه وإهانته، وعدله وفضله، وعفوه وانتقامه، وسعة حلمه، وشدّة بطشه.
وقد اقتضى كماله المقدّس سبحانه أنه كل يوم هو في شأن، فمن جملة شؤونه أن يغفر ذنبًا، ويفرّج كربًا، ويشفي مريضًا، ويفك عانيًا، وينصر مظلومًا، ويغيث ملهوفًا، ويجبر كسيرًا، ويغني فقيرًا، ويجيب دعوة، ويُقِيل عثرة، ويعز ذليلًا، ويذل متكبرًا، ويقصم جبارًا، ويميت ويحيي، ويُضحِك ويُبكي، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويرسل رسله من الملائكة ومن البشر في تنفيذ أوامره، ويسوق مقاديره التي قدّرها إلى مواقيتها التي وقّتها لها، وهذا كله لم يكن ليحصل في دار البقاء، وإنما اقتضت حكمته البالغة حصوله في دار الامتحان والابتلاء.
(١) في الوجه السادس والثلاثين (٢٧٩).
يوضحه الوجه التاسع والعشرون: أن كمال ملكه التام اقتضى كمال تصرفه فيه بأنواع التصرف، ولهذا جعل الله١ سبحانه الدور ثلاثة: دارًا أخلصها للنعيم واللذة والبهجة والسرور، ودارًا أخلصها للألم والنّصَب وأنواع البلاء والشرور، ودارًا خلط خيرها بشرها، ومزج نعيمها بشقائها، ومزج لذتها بألمها يلتقيان ويتطالبان، وجعل عمارة تينك الدارين من هذه الدار، وأجرى من أحكامه على خلقه في الدور الثلاثة بمقتضى ربوبيته وإلهيته، وعلمه وعزته، وحكمته وعدله ورحمته، فلو أسكنهم كلهم دار البقاء من حين أوجدهم لتعطلت أحكام هذه الصفات٢، ولم يترتب عليها آثارها.
يوضحه الوجه الثلاثون: أنّ يوم المعاد الأكبر يومُ مَظْهَرِ الأسماء والصفات وأحكامها، ولهذا يقول سبحانه ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ﴾[غافر: ١٦]، وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾[الفرقان: ٢٦]، وقال: ﴿يَوْمُ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾[الانفطار: ١٩].
حتى إن الله سبحانه لَيتعرّف إلى عباده ذلك اليوم بأسماء وصفات لم يعرفوها في هذه الدار، فهو يوم ظهور المملكة العظمى، والأسماء الحسنى، والصفات العُلى.
فتأمّل ما أخبر به الله ورسوله من شأن ذلك اليوم وأحكامه، وظهور عزّته تعالى وعظمته وعدله وفضله ورحمته، وآثار صفاته المقدسة التي لو خُلِقوا في دار البقاء لتعطّلت، وكماله سبحانه ينفي ذلك.