شفاء العليل

وهذا دليل مستقل لمن عرف الله تعالى وأسماءه وصفاته على وقوع المعاد، وصِدْق الرسل فيما أخبروا به عن الله منه، فيتطابق دليل العقل ودليل السمع على وقوعه.

الوجه الحادي والثلاثون: أن الله سبحانه يحب أن يُعبد بأنواع التعبدات كلّها، ولا يليق ذلك إلا بعظمته وجلاله، ولا يحسن ولا ينبغي إلّا له وحده.

ومن المعلوم أن أنواع التعبّد الحاصلة في دار الابتلاء والامتحان لا تكون في دار المجازاة، وإن كان في هذه الدار بعض المجازاة، فكمالها وتمامها إنما هو في تلك الدار، وليست دار عمل، وإنما هي دار جزاء وثواب، أوجب كمالُهُ المقدس أن يجزي فيها الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

فلم يكن بُدّ من دار تقع فيها الإساءة والإحسان، ويجري على أهلها فيها أحكام الأسماء والصفات، ثم تعقبها دار يجازي فيها المحسن والمسيء، ويجري على أهلها فيها أحكام الأسماء والصفات.

فتعطيل أسمائه وصفاته ممتنع مستحيل، وهو تعطيل لربوبيته وإلهيته وملكه وعزه وحكمته.

فمن فُتِح له باب من الفقه في أحكام الأسماء والصفات، وعلم اقتضاءها١ لآثارها ومتعلقاتها، واستحالة تعطيلها؛ علم أن الأمر كما أخبرت به الرسل، وأنه لا يجوز عليه سبحانه، ولا ينبغي له غيره، وأنه يُنزَّه عن خلاف ذلك، كما يُنزَّه عن سائر العيوب والنقائص.

  1. (١) «د»: «اختصاصها».
266

وهذا باب عزيز من أبواب الإيمان، يفتحه الله على من يشاء من عباده، ويحرمه من يشاء.

الوجه الثاني والثلاثون: أنه كم لله سبحانه من حكمة وحمْد وأمْر ونهْي وقضاء وقَدَر في جعل بعض عباده فتنة لبعض، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠].

فهو سبحانه جعل أولياءه فتنة لأعدائه، وأعداءه فتنة لأوليائه، والملوكَ فتنة للرعية، والرعيةَ فتنة لهم، والرجالَ فتنة للنساء، وهنّ فتنة لهم، والأغنياءَ فتنة للفقراء، والفقراءَ فتنة لهم١.

وابتلى كلَّ أحدٍ بضدّ جعله مقابله، فما استقرت أقدام الأبوين على الأرض إلا وضدهما مقابلهما، واستمر الأمر في الذرية كذلك إلى أن يطوي الله الدنيا ومَن عليها.

وكم له سبحانه في هذا الابتلاء والامتحان من حكمة بالغة، ونعمة سابغة، وحُكْم نافذ، وأمْر ونهْي، وتصريف دالّ على ربوبيته وإلهيته، وملكه وحمده، وكذلك ابتلاءُ عباده بالخير والشر في هذه الدار هو من كمال حكمته، ومقتضى حمده التام.

الوجه الثالث والثلاثون: أنه لولا هذا الابتلاء والامتحان لما ظهر فضل الصبر والرضا والتوكل والجهاد والعفة والشجاعة والحلم والعفو والصفح، والله سبحانه يحب أن يكرم أولياءه بهذه الكمالات، ويحب ظهورها عليهم

  1. (١) من قوله: «والرجال فتنة» إلى هنا ساقط من «م».
267

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي