شفاء العليل

قدرته وربوبيته، فمِنْ أعظم الجهل والضلال أن يقول القائل: هلّا كان خَلْقُهُ كلهم نوعًا واحدًا، فيكون العالم عُلْوًا كله، أو نورًا كله، أو الحيوان مَلَكًا كله؟

وقد يقع في الأوهام الفاسدة أنّ هذا كان أولى وأكمل، ويفرض الوهم الفاسد ما ليس ممكنًا: كمالًا.

الوجه السادس والثلاثون: قوله: «وأي حكمة في إيلام الحيوانات غير المكلفة؟».

فهذه مسألة تكلم الناس فيها قديمًا وحديثًا، وتباينت طرقهم في الجواب عنها.

فالجاحدون للفاعل المختار الذي يفعل بمشيئته وقدرته يُحِيلون ذلك على الطبيعة المجرّدة، وأن ذلك من لوازمها ومقتضياتها، ليس بفعل فاعل، ولا قدرة قادر، ولا إرادة مريد.

ومنكرو الحكمة والتعليل يردّون ذلك إلى محض المشيئة، وصِرْف الإرادة التي تُخَصِّص مِثْلًا على مِثْل بلا موجِب ولا غاية ولا حكمة مطلوبة ولا سبب أصلًا.

وظنَّوا أنهم بذلك يتخلصون من السؤال، ويسدّون على نفوسهم باب المطالبة، وإنما سدّوا على نفوسهم باب معرفة الربّ وكماله، وكمال أسمائه وأوصافه وأفعاله، فعطّلوا حكمته وحقيقة إلهيته وحمده، وكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار.

وأما من أثبت حكمة وتعليلًا لا يعود إلى الخالق بل إلى المخلوق؛

279

سلكوا١ طريق٢ التعويض على تلك الآلام في حق من يُبعَث للثواب والعقاب.

وقالوا: قد يكون في ذلك إثابة، لإثابتهم٣ بصبرهم وتألمهم، وإثابة لهم وتعويضًا في القيامة بما نالهم من تلك الآلام، فلما أُورِد عليهم إيلامُ الحيوانات التي لا تُثاب ولا تعاقب ...٤.

وأما المثبتون لحقائق أسماء الربّ وصفاته وحكمته التي هي وصفه، ولأجلها تسمَّى بالحكيم، وعنها صدر خلقه وأمره= فهم أعلم الفرق بهذا الشأن، ومسلكهم فيه أصح المسالك، وأسلم من التناقض والاضطراب؛ فإنهم جمعوا بين إثبات القدرة والمشيئة العامة والحكمة الشاملة التي هي غاية الفعل، وربطوا ذلك بالأسماء والصفات، فتصادق عندهم السمع والعقل والشرع والفطرة، وعلموا أن ذلك مقتضى الحكمة البالغة، وأنه من لوازمها، وأن لازم الحق حق، ولازم العدل عدل، ولوازم الحكمة من الحكمة.

فاعلم أن ههنا أمرين: نفسًا متحركة بالإرادة والاختيار، وطبيعةً متحركة بغير الاختيار والإرادة، وأن الشر منشؤه من هذين المتحركين، وعن هاتين الحركتين، وخُلِقت هذه النفس وهذه الطبيعة على هذا الوجه، فهذه تتحرك

  1. (١) كذا في «د» «م»: «سلكوا»، والجادة: «فسلكوا» بدخول الفاء على جواب «أما».
  2. (٢) «د»: «طريقة».
  3. (٣) مهملة في «د» «م»، والقراءة محتملة.
  4. (٤) بياض في «د» «م»، وعلق في حاشية «م»: «في أصل المصنف بياض بعد: لا تثاب ولا تعاقب».
280

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي