شفاء العليل

سلكوا١ طريق٢ التعويض على تلك الآلام في حق من يُبعَث للثواب والعقاب.

وقالوا: قد يكون في ذلك إثابة، لإثابتهم٣ بصبرهم وتألمهم، وإثابة لهم وتعويضًا في القيامة بما نالهم من تلك الآلام، فلما أُورِد عليهم إيلامُ الحيوانات التي لا تُثاب ولا تعاقب ...٤.

وأما المثبتون لحقائق أسماء الربّ وصفاته وحكمته التي هي وصفه، ولأجلها تسمَّى بالحكيم، وعنها صدر خلقه وأمره= فهم أعلم الفرق بهذا الشأن، ومسلكهم فيه أصح المسالك، وأسلم من التناقض والاضطراب؛ فإنهم جمعوا بين إثبات القدرة والمشيئة العامة والحكمة الشاملة التي هي غاية الفعل، وربطوا ذلك بالأسماء والصفات، فتصادق عندهم السمع والعقل والشرع والفطرة، وعلموا أن ذلك مقتضى الحكمة البالغة، وأنه من لوازمها، وأن لازم الحق حق، ولازم العدل عدل، ولوازم الحكمة من الحكمة.

فاعلم أن ههنا أمرين: نفسًا متحركة بالإرادة والاختيار، وطبيعةً متحركة بغير الاختيار والإرادة، وأن الشر منشؤه من هذين المتحركين، وعن هاتين الحركتين، وخُلِقت هذه النفس وهذه الطبيعة على هذا الوجه، فهذه تتحرك

  1. (١) كذا في «د» «م»: «سلكوا»، والجادة: «فسلكوا» بدخول الفاء على جواب «أما».
  2. (٢) «د»: «طريقة».
  3. (٣) مهملة في «د» «م»، والقراءة محتملة.
  4. (٤) بياض في «د» «م»، وعلق في حاشية «م»: «في أصل المصنف بياض بعد: لا تثاب ولا تعاقب».
280

لكمالها، وهذه تتحرك لكمالها، وينشأ عن الحركتين خير وشر، كما ينشأ عن حركة الأفلاك والشمس والقمر، وحركة الرياح، والماء والنار: خير وشر.

فالخيرات الناشئة عن هذه الحركات مقصودة بالقصد الأول، إما لِذَاتها وإما لكونها وسيلة إلى خيرات أتم منها، والشرور الناشئة عنها غير مقصودة بالذات، وإن قُصِدت قَصْد الوسائل واللوازم التي لا بدّ منها، فما جُبِلت عليه النفس من الحركة هو من لوازم ذاتها، فلا تكون النفس البشرية نفسًا إلا بهذا اللازم.

فإذا قيل: لِمَ خُلِقت متحركة على الدوام؟

فهو بمنزلة أن يقال: لِمَ كانت النفس نفسًا، ولِمَ كانت النار نارًا، والريح ريحًا؟ فلو لم تُخْلق هكذا ما كانت نفسًا، ولو لم تُخْلق الطبيعة هكذا ما كانت طبيعة، ولو لم يُخْلق الإنسان على هذه الصفة والخِلْقة ما كان إنسانًا.

فإن قيل: فلِمَ خُلِقت النفس على هذه الصفة؟

قيل: من كمال الوجود خَلْقها على هذه الصفة كما تقدم، وكذلك كمال فاطرها ومبدعها اقتضى خَلْقها على هذه الصفة؛ لما في ذلك من الحِكَم التي لا يحصيها إلا مبدعها سبحانه.

وإن كان في إيجاد هذه النفس شرًّا فهو شرّ جزئي بالنسبة إلى الخير الكلّي الذي في١ إيجادها، فوجودها خير من أن لا توجد، فلو لم تُخْلَق مثل هذه النفس لكان في الوجود نقص وفوات حِكَم ومصالح عظيمة موقوفة على خَلْق مثل هذه النفس.

  1. (١) بياض في «د»، والمثبت من «م»، وفي «ط»: «هو سبب».
281

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي