شفاء العليل

فلو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للسنة والإجماع لسارعوا إلى رده وإنكاره.

وفي تفسير علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، قال: «لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا»١.

قال الطبري: «وروي عن ابن عباس أنه كان يتأوّل في هذا الاستثناء أن الله جعل أمر هؤلاء في مَبْلغ عذابه إياهم إلى مشيئته»٢.

وهذا التفسير من ابن عباس يُبطِل قول من تأوّل الآية على أن معناها: سوى ما شاء الله من أنواع العذاب. أو قال: المعنى: إلا مدة مقامهم قبل الدخول من حين بُعِثوا إلى أن دخلوا. أو أنها في أهل القبلة، «وما» بمعنى «مِن» أو أنها بمعنى الواو، أي: وما شاء الله.

وهذه كلها تأويلات باردة ركيكة، لا تليق بالآية، ومَن تأمّلها جزم ببطلانها.

وقال السُّدِّي في قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣]، قال: «سبعمائة حُقْب، كل حُقْب سبعون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم كألف سنة مما تعدون»٣.

  1. (١) رواه الطبري (٩/ ٥٥٧)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (٧٨٩٧).
  2. (٢) «جامع البيان» (٩/ ٥٥٧).
  3. (٣) نسبه إليه ابن تيمية في «الرد على من قال بفناء الجنة والنار» (٦٣)، وابن كثير (٨/ ٣٠٦)، وانظر في تقدير الأحقاب: «الدر المنثور» (٨/ ٣٩٤ - ٣٩٥).
311

وتقييد لُبْثهم فيها بالأحقاب يدل على مدة مقدّرة يحصرها العَدّ١، وهذا قول الأكثرين.

ولهذا تأوّل الزجّاج الآية على أن الأحقاب تقييد لقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤]، وأما مدة لُبْثهم فيها فلا تتقدَّر بالأحقاب٢.

وهذا تأويل فاسد؛ فإنه يقتضي أن يكونوا بعد الأحقاب ذائقين للبرد والشراب.

وقالت طائفة أخرى: الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]، وهذا فاسد أيضًا إنْ أرادوا بالنسخ الرفع، فإنه لا يدخل في الخَبَر إلا إذا كان بمعنى الطلب، وإنْ أرادوا بالنسخ البيان فهو صحيح، وهو إنما يدل على أن عذابهم دائم مستمر ما دامت باقية، فهم فيها خالدون، وما هم بمخرجين، وهذا حقٌّ معلومٌ دلالة القرآن والسنة عليه.

ولكن الشأن في أمر آخر، وهو أن النار أبدية دائمة بدوام الرب، فأين الدليل على هذا من القرآن أو السنة بوجه من الوجوه؟

وقالت طائفة: هي في أهل التوحيد.

وهذا أقبح مما قبله، وسياق الآيات يرده ردًّا صريحًا.

  1. (١) «د»: «العدد».
  2. (٢) «معاني القرآن وإعرابه» (٥/ ٢٧٣).
312

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي