شفاء العليل

وتقييد لُبْثهم فيها بالأحقاب يدل على مدة مقدّرة يحصرها العَدّ١، وهذا قول الأكثرين.

ولهذا تأوّل الزجّاج الآية على أن الأحقاب تقييد لقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤]، وأما مدة لُبْثهم فيها فلا تتقدَّر بالأحقاب٢.

وهذا تأويل فاسد؛ فإنه يقتضي أن يكونوا بعد الأحقاب ذائقين للبرد والشراب.

وقالت طائفة أخرى: الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]، وهذا فاسد أيضًا إنْ أرادوا بالنسخ الرفع، فإنه لا يدخل في الخَبَر إلا إذا كان بمعنى الطلب، وإنْ أرادوا بالنسخ البيان فهو صحيح، وهو إنما يدل على أن عذابهم دائم مستمر ما دامت باقية، فهم فيها خالدون، وما هم بمخرجين، وهذا حقٌّ معلومٌ دلالة القرآن والسنة عليه.

ولكن الشأن في أمر آخر، وهو أن النار أبدية دائمة بدوام الرب، فأين الدليل على هذا من القرآن أو السنة بوجه من الوجوه؟

وقالت طائفة: هي في أهل التوحيد.

وهذا أقبح مما قبله، وسياق الآيات يرده ردًّا صريحًا.

  1. (١) «د»: «العدد».
  2. (٢) «معاني القرآن وإعرابه» (٥/ ٢٧٣).
312

ولما رأى غيرهم بطلان هذه التأويلات قال: لا يدل ذِكْر الأحقاب على النهاية؛ فإنها غير مقدّرة بالعدد، فإنه لم يقل: عشرة، ولا مائة، ولو قُدِّرت بالعدد لم يدل على النهاية إلا بالمفهوم، فكيف إذا لم تُقَدّر؟

قالوا: ومعنى الآية: أنه كلما مضى حُقْب تبعه حُقْب لا إلى نهاية.

وهذا الذي قالوه لا تدل الآية عليه بوجه.

وقولهم: «إن الأحقاب فيها غير مُقَدّرة»، فيقال: لو أريد بالآية بيان عدم انتهاء مدة العذاب لم تُقَيّد بالأحقاب؛ فإنّ ما لا نهاية له لا يقال: هو باقٍ أحقابًا ودهورًا وأعصارًا ونحو ذلك، ولهذا لا يقال ذلك في نعيم أهل الجنة، ولا يقال للأبدي الذي لا يزول: هو باقٍ أحقابًا أو آلافًا من السنين.

فالصحابة أفهمُ الأمة لمعاني القرآن، وقد فَهِم منها عمر بن الخطاب ﵁ خلاف فَهْم هؤلاء، كما فَهِم ابن عباس من آية الاستثناء خلاف فَهْم أولئك، وفَهْم الصحابة في القرآن هو الغاية التي عليها المُعَوَّل.

وقد قال ابن مسعود: «ليأتينّ على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابًا»١.

وقال ابن جرير: حُدِّثتُ عن المُسيّب، عمن ذكره، عن ابن عباس: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] قال: أمر الله النار أن تأكلهم.

  1. (١) تقدم عزوه (٢/ ٣٠٣).
313

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي