شفاء العليل

عمَلَهُ ولا يَعْمل أثرُ خَلْق الرحمن ﷻ عمَلَه، والكل خَلْقه سبحانه، فلا خالق سواه، ولكن ذاك خَلْق يحبه ويرضاه، ويضاف أثره إليه، وهذا خَلْق يبغضه ويسخطه، ولا يضاف أثره إليه؛ فإن الشر ليس إليه، والخير كله في يديه.

فإن قيل: فقد قال سبحانه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وهذا يقتضي أنه لا قابلية فيهم، ولا خير عندهم البتّة، ولو كان عندهم خير لخرجوا به من النار مع الموحدين؛ فإنه سبحانه يُخْرِج مِن النار مَن في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من خير، فعُلِم أن هؤلاء ليس معهم هذا القدر اليسير من الخير.

قيل: الخير في هذا الحديث هو الإيمان بالله ورسله، كما في اللفظ الآخر: «أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان»١، وهو تصديقُ رسله والانقياد لهم بالقلب والجوارح.

وأما الخير في الآية فالمراد به: القبول والزكاة والنور ومعرفة قدر النعمة وشكر المنعِم عليها، فلو علم الله سبحانه ذلك فيهم لأسمعهم إسماعًا ينتفعون به؛ فإنهم قد سمعوا سماعًا تقوم به عليهم الحجة، فتلك القابلية ذهب أثرها، وتعطّلت بالكفر والجحود، وعادت كالشيء المعدوم الذي لا يُنْتَفع به، وإنما ظهر أثرها في قيام الحجة عليهم، ولم يظهر أثرها في انتفاعهم بما علموه وتيقنوه.

فإن قيل: فالغلام الذي قتله الخضر طُبِع يوم طُبِع كافرًا.

  1. (١) أخرجه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس.
319

وقال نوح ﵇ عن قومه: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧].

وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي١ مرفوعًا: «إن بني آدم خُلِقوا على طبقات شَتَّى، فمنهم من يولد مؤمنًا، ويحيى مؤمنًا، ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا، ويحيى كافرًا، ويموت كافرًا» الحديث.

قيل: هذا لا يناقض كونه مولودًا على الفطرة؛ فإنه طُبِع ووُلِد مقدَّرًا كفرُه إذا عقل، وإلا ففي حال ولادته لا يَعرف كفرًا ولا إيمانًا، فهي حال مقدَّرة لا مقارِنة للعامل، فهو مولود على الفطرة ومولود كافرًا باعتبارين صحيحين ثابتين له، هذا بالقبول وإيثار الإسلام لو خُلِّي، وهذا بالفعل والإرادة إذا عقل، فإذا جَمَعْتَ بين الفطرة السابقة، والرحمة السابغة الغالبة، والحكمة البالغة، والغنى التام، وقَرَنْتَ بين فطرته ورحمته، وحكمته وغناه= تبيّن لك الأمر.

الطريق السادس: قياس دار العدل على دار الفضل، وأن هذه كما أنها أبدية فالأخرى كذلك؛ لأن هذه توجب رحمته، وهذه توجب عدله، وعدله ورحمته من لوازم ذاته.

وهذه الطريق غير نافذة؛ فإنّ العدلَ حقُّهُ سبحانه، لا يجب عليه أن يستوفيه، ولا يلحقه بتركه نقصٌ ولا ذمٌّ بوجه من الوجوه، والفضلَ وعدُهُ الذي وَعَد

  1. (١) أحمد (١١١٤٣)، والترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري، وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وفي إسناده علي بن جدعان ضعيف، وقد انفرد بهذا السياق، انظر: «السلسلة الضعيفة» (٢٩٢٧).
320

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي