شفاء العليل

على هذه الأوصاف أكره إليه من الأثر الذي يترتب على الأوصاف١ الموافقة لأسمائه وصفاته، ولكن يريده سبحانه لاستلزامه ما يحبه ويرضاه، فهو مراد له إرادة اللوازم المقصودة لغيرها، إذ هي مفضية إلى ما يُحب، فإذا حصل بها ما يحبّه، وأدت إلى الغاية المقصودة له سبحانه؛ لم تبق مقصودة لا لنفسها ولا لغيرها، فتزول وتخلفها أضدادها التي هي أحب إليه سبحانه منها، وهي موجَب أسمائه وصفاته.

فإن فهمتَ سرّ هذا الوجه وإلا فجاوزه إلى ما قبله، ولا تعجل بإنكاره.

هذا، وسرّ المسألة أنه سبحانه حكيم رحيم إنما يخلق بحكمة ورحمة، فإذا عَذّب من يعذبه بحكمة كان هذا جاريًا على مقتضاها، كما يوجد في الدنيا من العقوبات الشرعية والقدرية، إذ فيها٢ من التهذيب والتأديب والزجر والرحمة واللطف ما يزكّي النفوس ويطيبها ويمحّصها ويخلّصها من شرها وخبثها.

والنفوس الشريرة الظالمة التي لو رُدَّت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نُهِيت عنه لا يصلح أن تسكن دار السلام التي تنافي الكذب والشرّ والظلم، فإذا عُذِّبت هذه النفوس بالنار عذابًا يخلّصها من ذلك الشر، ويُخرِج خبثها؛ كان هذا معقولًا في الحكمة، كما يوجد في عذاب الدنيا.

وخَلْق مَنْ فيه شر يزول بالتعذيب من تمام الحكمة.

أما خَلْق نفوس شرّيرة لا يزول شرّها البتّة، وإنما خُلِقت للشر المحض،

  1. (١) من قوله: «فلابد أن يكون» إلى هنا ساقط من «د».
  2. (٢) «إذ فيها» من «م».
326

وللعذاب السّرْمَد الدائم بدوام خالقها سبحانه= فهذا لا تظهر موافقته للحكمة والرحمة، وإن دخل تحت القدرة، فدخوله تحت الحكمة والرحمة ليس بالبيّن.

فهذا ما وصل إليه النظر في هذه المسألة التي تَكِع١ فيها عقول العقلاء.

وكنت سألتُ عنها شيخ الإسلام ــ قدّس الله روحه ــ فقال لي: «هذه مسألة عظيمة كبيرة»، ولم يُجِب فيها بشيء.

فمضى على ذلك زمن حتى رأيت في «تفسير عَبْد بن حُمَيد الكَشِّي» بعض تلك الآثار التي ذَكرْتُ، فأرسلتُ إليه الكتاب وهو في محبسه٢ الآخِر، وعلّمتُ على ذلك الموضع، وقلتُ للرسول: قل له: إن هذا الموضع يُشكل عليه، ولا يدري ما هو؟

فكتب فيها مصنَّفه المشهور رحمة الله عليه٣.

فمن كان عنده فَضْل علم فلْيَجُدْ به، فإنّ فوق كل ذي علم عليم.

وأنا في هذه المسألة على قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فإنه ذَكَر دخول أهلِ الجنةِ الجنةَ، وأهلِ النارِ النارَ، ووصف ذلك أحسن صفة، ثم قال: «ويفعل الله بعد ذلك في خلقه ما يشاء»٤.

  1. (١) من كَعَّ عن الشيء إذا ارتد عنه هيبة، كما في «جمهرة اللغة» (١/ ١٥٦)، ورسمت في «م»: «بلغ» بإهمال أوله.
  2. (٢) «د»: «مجلسه» تحريف.
  3. (٣) وهي الرسالة المعنونة بـ «الرد على من قال بفناء الجنة والنار» والله أعلم.
  4. (٤) لم أقف عليه، وقد أورده المؤلف في «الصواعق - مختصره» (٦٦٣)، و«حادي الأرواح» (٢/ ٧٩١).
327

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي