وللعذاب السّرْمَد الدائم بدوام خالقها سبحانه= فهذا لا تظهر موافقته للحكمة والرحمة، وإن دخل تحت القدرة، فدخوله تحت الحكمة والرحمة ليس بالبيّن.
فهذا ما وصل إليه النظر في هذه المسألة التي تَكِع١ فيها عقول العقلاء.
وكنت سألتُ عنها شيخ الإسلام ــ قدّس الله روحه ــ فقال لي: «هذه مسألة عظيمة كبيرة»، ولم يُجِب فيها بشيء.
فمضى على ذلك زمن حتى رأيت في «تفسير عَبْد بن حُمَيد الكَشِّي» بعض تلك الآثار التي ذَكرْتُ، فأرسلتُ إليه الكتاب وهو في محبسه٢ الآخِر، وعلّمتُ على ذلك الموضع، وقلتُ للرسول: قل له: إن هذا الموضع يُشكل عليه، ولا يدري ما هو؟
فكتب فيها مصنَّفه المشهور رحمة الله عليه٣.
فمن كان عنده فَضْل علم فلْيَجُدْ به، فإنّ فوق كل ذي علم عليم.
وأنا في هذه المسألة على قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فإنه ذَكَر دخول أهلِ الجنةِ الجنةَ، وأهلِ النارِ النارَ، ووصف ذلك أحسن صفة، ثم قال: «ويفعل الله بعد ذلك في خلقه ما يشاء»٤.
(١) من كَعَّ عن الشيء إذا ارتد عنه هيبة، كما في «جمهرة اللغة» (١/ ١٥٦)، ورسمت في «م»: «بلغ» بإهمال أوله.
(٢) «د»: «مجلسه» تحريف.
(٣) وهي الرسالة المعنونة بـ «الرد على من قال بفناء الجنة والنار» والله أعلم.
(٤) لم أقف عليه، وقد أورده المؤلف في «الصواعق - مختصره» (٦٦٣)، و«حادي الأرواح» (٢/ ٧٩١).
وعلى مذهب عبد الله بن عباس ﵄ حيث يقول: «لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا»، ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾[الأنعام: ١٢٨]١.
وعلى مذهب أبي سعيد الخدري، حيث يقول: «انتهى القرآن كله إلى هذه الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾[هود: ١٠٧]»٢.
وعلى مذهب قتادة حيث يقول في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾: «الله أعلم بثَنِيّته٣ على ما وقعت»٤.
وعلى مذهب ابن زيد حيث يقول: «أخبَرَنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار»٥.
والقول بأن النار وعذابها دائم بدوام الله خبر عن الله ﷿ بما يفعله، فإن لم يكن مطابقًا لخبره عن نفسه بذلك وإلا كان قولًا عليه بغير علم، والنصوص لا تُفْهِم ذلك، والله أعلم.
(١) تقدم تخريجه (٢/ ٣١١).
(٢) تقدم تخريجه بنحوه (٢/ ٣٠٣).
(٣) الثَنِيّة والثُّنْيا بمعنى: ما استثنيته من الشيء، كما في «المحكم» (١٠/ ٢٠٠). وتحرّفت في «م» إلى: «بمشيئته»، وفي «ط»: «بتبيّنه».
(٤) أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (١٢٥٠)، وابن جرير (١٢/ ٥٧٩)، وابن أبي حاتم (١١٢٣٧).