شفاء العليل

وبين ذلك خالقُهم وفاطرُهم، بل أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبيّن لهم مواقع رضاه وغضبه، ووعدهم على مخالفة هواهم وطبائعهم أكمل اللذات في دار النعيم، فلم تَقْوَ عقولُ الأكثرين على إيثار الآجل المنتظَر بعد زوال الدنيا على هذا الحاضر العاجل المشاهَد.

وقالوا: كيف يباع نقد حاضر ــ وهو قَبْض باليد ــ بنسيئة مؤخَّرة وُعِدنا بحصولها بعد طي الدنيا وخراب العالم؟

ولسان حال أكثرهم يقول:

خُذ ما تراه ودع شيئًا سمعتَ به١

فساعدَ التوفيقُ الإلهي مَنْ عَلِم أنه يصلح لمواقع فضله، فأمدّه بقوة إيمان وبصيرة، رأى في ضوئها حقيقة الآخرة ودوامها، وما أعد الله فيها لأهل طاعته وأهل معصيته، ورأى حقيقةَ الدنيا وسرعةَ انقضائها وقلّةَ وفائها وظلمَ شركائها، وأنها كما وصفها الله تعالى لعبٌ ولهو وزينة، وتفاخر بين أهلها، وتكاثر في الأموال والأولاد، وأنها كغيث أعجب الكفارَ نباتُه، ثم يهيج فتراه مصفرًّا، ثم يكون حطامًا.

فنشأنا في هذه الدار ونحن منها وبنوها، لا نألف غيرها، وحَكَمت العاداتُ، وقَهَر سلطانُ الهوى، وساعده داعي النفوس، وتقاضاه موجِب الطباع، وغلب الحسُّ على العقل، وكانت الدولة له، والناس على دين الملك.

ولا ريب أن الذي يخرق هذه الحجب كلها، ويقطع هذه العلائق،

  1. (١) تقدمت نسبته (٢/ ٧٧).
331

ويخالف العوائد، ولا يستجيب لداعي الطبع، ويعصي سلطان الهوى= لا يكون إلا الأقل.

ولهذا كانت المادة النارية أقل اقتضاء لهذا الصنف من المادة الترابية؛ لخفة النار وطيشها، وكثرة تقلّبها، وسرعة حركتها، وعدم ثباتها، وأما المادة المَلَكية فبريئة من ذلك، فلذلك كان المخلوق منها خيرًا كله، فالعقلاء المخاطَبون مخلوقون من هذه المواد الثلاث.

واقتضت الحكمة أن يكونوا على هذه الصفة والخلقة، ولو كانوا على غير ذلك لم يحصل مقصود الامتحان والابتلاء، وتنوّع العبودية، وظهور آثار الأسماء والصفات، فلو كان أهل الإيمان والخير هم الأكثرين الغالبين لفاتت مصلحة الجهاد وتوابعه التي هي من أجَلّ أنواع العبودية، وفات الكمال المترتّب على ذلك، فلا أحسن مما اقتضته حكمة أحكم الحاكمين في المخلوق من هذه المواد.

ثم إنه سبحانه يُخَلّص ما في المخلوق من تَيْنك المادّتين من الخَبَث والشر، ويمحّصه ويستخرج طَيّبه إلى دار الطيبين، ويلقي خبيثه حيث تُلْقَى الخبائث والأوساخ، وهذا غاية الحكمة، كما هو الواقع في جواهر المعادن المنتفَع بها من الذهب والفضة والحديد والصُّفْر، فخلاصة هذه المواد وطيبها أقل من وسخها وخبيثها، والناس زَرْع الأرض، والجزء الصافي من الزرع بعد زُوَانِه وقَصْله وعَصْفه وتِبْنه١ أقل من بقية الأجزاء؛ وتلك

  1. (١) الزُوَان والقَصْل والعَصْف والتِبْن: ما يُرمى من القشور والعوالق ونحوها عند نَخْل الحبوب بالغِرْبال، وهي من رديء الطعام، على فروق بينها تنظر في المظان، كـ «المخصص» (٣/ ١٨١، ١٨٤ - ١٨٥).
332

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي