شفاء العليل

ويخالف العوائد، ولا يستجيب لداعي الطبع، ويعصي سلطان الهوى= لا يكون إلا الأقل.

ولهذا كانت المادة النارية أقل اقتضاء لهذا الصنف من المادة الترابية؛ لخفة النار وطيشها، وكثرة تقلّبها، وسرعة حركتها، وعدم ثباتها، وأما المادة المَلَكية فبريئة من ذلك، فلذلك كان المخلوق منها خيرًا كله، فالعقلاء المخاطَبون مخلوقون من هذه المواد الثلاث.

واقتضت الحكمة أن يكونوا على هذه الصفة والخلقة، ولو كانوا على غير ذلك لم يحصل مقصود الامتحان والابتلاء، وتنوّع العبودية، وظهور آثار الأسماء والصفات، فلو كان أهل الإيمان والخير هم الأكثرين الغالبين لفاتت مصلحة الجهاد وتوابعه التي هي من أجَلّ أنواع العبودية، وفات الكمال المترتّب على ذلك، فلا أحسن مما اقتضته حكمة أحكم الحاكمين في المخلوق من هذه المواد.

ثم إنه سبحانه يُخَلّص ما في المخلوق من تَيْنك المادّتين من الخَبَث والشر، ويمحّصه ويستخرج طَيّبه إلى دار الطيبين، ويلقي خبيثه حيث تُلْقَى الخبائث والأوساخ، وهذا غاية الحكمة، كما هو الواقع في جواهر المعادن المنتفَع بها من الذهب والفضة والحديد والصُّفْر، فخلاصة هذه المواد وطيبها أقل من وسخها وخبيثها، والناس زَرْع الأرض، والجزء الصافي من الزرع بعد زُوَانِه وقَصْله وعَصْفه وتِبْنه١ أقل من بقية الأجزاء؛ وتلك

  1. (١) الزُوَان والقَصْل والعَصْف والتِبْن: ما يُرمى من القشور والعوالق ونحوها عند نَخْل الحبوب بالغِرْبال، وهي من رديء الطعام، على فروق بينها تنظر في المظان، كـ «المخصص» (٣/ ١٨١، ١٨٤ - ١٨٥).
332

الأجزاء كالصِّوَان له والوقاية، كالحطب والشوك للثمر، والتراب والحجارة للمعادن النفيسة.

فصل

الوجه السابع والثلاثون: قوله: «وأيّ حكمة في تسليط أعدائه على أوليائه يسومونهم سوء العذاب؟»

فكم لله في ذلك من حِكَم باهرة:

منها: حصول محبوبه من عبودية الصبر والجهاد وتحمّل الأذى فيه، والرضا عنه في السراء والضراء، والثبات على عبوديته، وطاعته مع قوة المعارِض وغلبته وشوكته، وتمحيص أوليائه من أحكام البشرية ودواعي الطباع ببذل نفوسهم له، وأذى أعدائه لهم، وتميّز الصادق من الكاذب، ومَن يريد الله ويعبده على جميع الحالات ممن يعبده على حرف، ولتحصل لهم مرتبة الشهادة التي هي من أعلى المراتب، ولا شيء أبرّ عند الحبيب من بذل محبة نفسه في مرضاته، ومجاهدة عدوّه.

فلله كم في هذا التسليط من نعمة ورحمة وحكمة.

وإذا شئت أن تعلم ذلك فتأمل الآيات من أواخر آل عمران من قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا﴾ [آل عمران: ١٣٧ - ١٧٩]، فكان هذا التمييز من بعض حِكَم ذلك التسليط.

ولولا ذلك التسليط لم تظهر فضيلة الصبر والعفو والحلم وكظم الغيظ،

333

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي