شفاء العليل

ودعوناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره. فقال أبو عثمان: ثبَّتك الله، كنا عند سلمان، فحمدنا الله ﷿ وذكرناه ودعوناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشدّ فرحًا مني بآخره. فقال سلمان: ثَبَّتَك الله، إن الله ﵎ لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج من ظهره ما هو ذارئ١ إلى يوم القيامة، فخلق الذكر والأنثى، والشّقْوَة والسعادة، والأرزاق والآجال والألوان، ومِنْ عَلَم السعادة فِعْلُ الخير ومجالسُ الخير٢، ومِنْ عَلَم الشقاوة فِعْلُ الشر ومجالسُ الشر٣.

وقال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "مسح ربك تعالى ظهر آدم، فأخرج منه ما هو ذارئ٤ إلى يوم القيامة، أخذ٥ عهودهم ومواثيقهم".

قال سعيد: فيرون أن القلم جَفَّ يومئذ٦.

  1. (١) في "م": "كائن"، والمثبت من "د"، موافقة لما في "الإبانة" و"الشريعة"، وذارئ: خالق.
  2. (٢) يعني من علامة السعادة فعل الخير، وضبط "علم" من "د" "م".
  3. (٣) أخرجه من طريق أبي داود به ابن بطة في "الإبانة الكبرى" (١٣٤٢)، وهو في "القدر" للفريابي (٥١)، ومن طريقه الآجري في "الشريعة" (٤٣٠).
  4. (٤) "م": "كائن".
  5. (٥) كذا في الأصول على الاستئناف: "أخذ".
  6. (٦) أخرجه من طريق عطاء بنحوه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/ ٢٩)، والطبري (١٠/ ٥٤٨).
41

وقال الضحاك: خرجوا كأمثال الذر، ثم أعادهم١.

فهذه الآثار٢ وغيرها تدل على أن الله سبحانه قدَّر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم عقيب خلق أبيهم، وأراهم لأبيهم آدم صورهم وأشكالهم وحلاهم، وهذا ــ والله أعلم ــ أمثالهم وصورهم.

وأما تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية به ففيه ما فيه، وحديث عمر ــ لو صح ــ لم يكن تفسيرًا للآية، وبيان أن ذلك هوالمراد بها، فلا يدل الحديث عليه، ولكن الآية دلت على أن هذا الأخذ من بني آدم لا من آدم، وأنه من ظهورهم لا من ظهره، وأنهم ذرياتهم أمة بعد أمة، وأنه إشهاد تقوم به عليهم الحجة له سبحانه، فلا يقول الكافر يوم القيامة: كنت غافلًا عن هذا، ولا يقول الولد المشرك٣: أشرك أبي وتبعته؛ فإن ما فطرهم الله عليه من الإقرار بربوبيته، وأنه ربهم وخالقهم وفاطرهم؛ حجة عليهم.

ثم دلّ حديث عمر وغيره على أمر آخر لم تدل عليه الآية، وهو القدر السابق والميثاق الأول، وهو سبحانه لا يحتج عليهم بذلك، وإنما يحتج عليهم برسله، وهو الذي دلت عليه الآية.

فتضمنت الآية والأحاديث إثبات القدر والشرع، وإقامة الحجة، والإيمان بالقدر، فأخبر النبي ﷺ لما سُئل عنها بما يحتاج العبد إلى معرفته والإقرار به معها، وبالله التوفيق.

  1. (١) أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم (٥/ ١٦١٥).
  2. (٢) "الآثار" ساقطة من "د".
  3. (٣) "المشرك" ساقطة من "د".
42

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي