في معنى قول السلف: «من أصول الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشرّه، حلوه ومرّه»
قد تقدم أن القدر لا شرّ فيه بوجه من الوجوه؛ فإنه علم الله، وقدرته، وكتابته١، ومشيئته، وذلك خير محض وكمال من كل وجه.
فالشرُّ ليس إلى الربّ تعالى بوجه من الوجوه، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المَقْضِيّ المقدَّر، ويكون شرًّا بالنسبة إلى محل، وخيرًا بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيرًا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شرّ له من وجه، بل هذا هو الغالب.
وهذا كالقصاص، وإقامة الحدود، وقتل الكفار؛ فإنه شرّ بالنسبة إليهم لا من كل وجه، بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم؛ لما فيه من مصلحة الزجر والنّكال، ودَفْع الناس بعضهم ببعض، وكذلك الآلام والأمراض ــ وإن كانت شرورًا من وجه ــ فهي خيرات من وجوه عديدة، وقد تقدم تقرير ذلك.
فالخير والشر من جنس اللذة والألم، والنفع والضرر، وذلك في المَقْضِيّ المقدَّر لا في نفس صفة الربّ وفعله القائم به، فإنّ قطع يد السارق شرّ مؤلم ضارّ له، وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل وخير وحكمة ومصلحة، كما يأتي في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله.
(١) «د»: «وكتابه».
فإن قيل: فما الفرق بين كون القدر خيرًا وشرًّا، وكونه حلوًا ومرًّا؟
قيل: الحلاوة والمرارة تعود إلى مباشرة الأسباب في العاجل، والخير والشر يرجع إلى حسن العاقبة وسوئها، فهو حلو ومرّ في مبدئه وأوله، وخير وشر في منتهاه وعاقبته.
وقد أجرى الله سبحانه سنته١ وعادته أنّ حلاوة الأسباب في العاجل تعقب المرارةَ في الآجل، ومرارتَها تعقب الحلاوة، فحلو الدنيا مرّ الآخرة، ومرّ الدنيا حلو الآخرة.
وقد اقتضت حكمته سبحانه أنْ جعل اللذات تثمر الآلام، والآلام تثمر اللذات، والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظامًا لا يخرج عنه٢ شيء البتّة.
والشر مرجعه إلى الآلام وأسبابها، والخير مرجعه إلى٣ اللذات وأسبابها، والخير المطلوب هو اللذات الدائمة، والشر المرهوب هو الآلام الدائمة، فأسباب هذه شرور وإن٤ اشتملت على لذة ما، وأسباب تلك خيرات وإن اشتملت على ألم، فألم تعقبه٥ اللذةُ الدائمةُ أولى بالإيثار والتحمّل من لذة يعقبها الألم الدائم، فلذة ساعة في جنب ألم طويل كلا لذة، وألم ساعة في جنب لذة طويلة كلا ألم.
(١) «م»: «سبَبَه» تصحيف.
(٢) زاد في «م»: «منه» سهو.
(٣) قوله: «الآلام وأسبابها، والخير مرجعه إلى» ساقط من «د».