شفاء العليل

فإن قيل: فما الفرق بين كون القدر خيرًا وشرًّا، وكونه حلوًا ومرًّا؟

قيل: الحلاوة والمرارة تعود إلى مباشرة الأسباب في العاجل، والخير والشر يرجع إلى حسن العاقبة وسوئها، فهو حلو ومرّ في مبدئه وأوله، وخير وشر في منتهاه وعاقبته.

وقد أجرى الله سبحانه سنته١ وعادته أنّ حلاوة الأسباب في العاجل تعقب المرارةَ في الآجل، ومرارتَها تعقب الحلاوة، فحلو الدنيا مرّ الآخرة، ومرّ الدنيا حلو الآخرة.

وقد اقتضت حكمته سبحانه أنْ جعل اللذات تثمر الآلام، والآلام تثمر اللذات، والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظامًا لا يخرج عنه٢ شيء البتّة.

والشر مرجعه إلى الآلام وأسبابها، والخير مرجعه إلى٣ اللذات وأسبابها، والخير المطلوب هو اللذات الدائمة، والشر المرهوب هو الآلام الدائمة، فأسباب هذه شرور وإن٤ اشتملت على لذة ما، وأسباب تلك خيرات وإن اشتملت على ألم، فألم تعقبه٥ اللذةُ الدائمةُ أولى بالإيثار والتحمّل من لذة يعقبها الألم الدائم، فلذة ساعة في جنب ألم طويل كلا لذة، وألم ساعة في جنب لذة طويلة كلا ألم.

  1. (١) «م»: «سبَبَه» تصحيف.
  2. (٢) زاد في «م»: «منه» سهو.
  3. (٣) قوله: «الآلام وأسبابها، والخير مرجعه إلى» ساقط من «د».
  4. (٤) «م»: «ولذة» تحريف.
  5. (٥) «د» «ط»: «يعقب» وفي الموضع التالي: «تعقب»، تحريفان مفسدان للمعنى.
342

الباب الخامس والعشرون

في امتناع إطلاق القول نفيًا وإثباتًا: «إن الربّ تعالى مريد للشرّ وفاعل له»

هذا موضع اختلف مثبتو القدر ونفاته فيه.

فقال النفاة: لا يجوز أن يقال: إنّ الله سبحانه مريد للشرّ أو فاعل له.

قالوا: لأن مريد الشرّ وفاعله شرّير، هذا هو المعروف لغة وعقلًا وشرعًا، كما أن الظالم فاعل الظلم، والفاجر فاعل الفجور ومريده، والربّ يتعالى ويتنزّه عن ثبوت معاني أسماء السوء له؛ فإن أسماءه كلها حسنى، وأفعاله كلّها خير، فيستحيل أن يريد الشرّ أو يفعل الشر، فالشرّ ليس بإرادته ولا بفعله.

قالوا: وقد قام الدليل على أن فعله سبحانه عين مفعوله، والشرّ ليس بفعل له، فلا يكون مفعولًا له.

وقابلهم الجبرية فقالوا: بل الربّ سبحانه يريد الشرّ ويفعله.

قالوا: لأن الشرّ موجود فلا بدّ له من خالق، ولا خالق إلا الله، وهو سبحانه إنما يخلق بإرادته، فكل مخلوق فهو مراد له، وهو فعله.

ووافقوا إخوانهم على أن الفعل عين المفعول، والخلق نفس المخلوق.

ثم قالوا: والشر مخلوق له ومفعول، فهو فِعْله وخَلْقه وواقع بإرادته.

قالوا: وإنما لم نطلق القول: إنه يريد الشرّ، ويفعل الشرّ؛ أدبًا لفظيًّا فقط،

343

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي