شفاء العليل

والثاني: كقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٥].

فالإرادة بالمعنى الأول: تستلزم وقوع المراد، ولا تستلزم محبته والرضا به.

وبالمعنى الثاني: لا تستلزم وقوع المراد، وتستلزم محبته والرضا به.

هذا إذا تعلقت الإرادة بأفعال العباد.

وأما إذا تعلقت بأفعاله هو سبحانه١ فإنها لا تنقسم، بل كل ما أراده من أفعاله فهو محبوب مرضيّ له، ففرق بين إرادة أفعاله وإرادة مفعولاته، فإن أفعاله خير كلها وعدل ومصلحة وحكمة، لا شر فيها بوجه من الوجوه، وأما مفعولاته فهي مَوْرد الانقسام.

وهذا إنما يتحقق على قول أهل السنة: إن الفعل غير المفعول، والخلق غير المخلوق، كما هو الموافق للعقول والفِطَر واللغة، ودلالة القرآن والحديث، وإجماع أهل السنة، كما حكاه البغوي في «شرح السنة» عنهم٢.

وعلى هذا فههنا إرادتان ومرادان: إرادة أن يفعل، ومرادها فعله القائم به. وإرادة أن يفعل عبده، ومرادها مفعوله المنفصل عنه، وليسا بمتلازمين، فقد يريد من عبده أن يفعل، ولا يريد من نفسه إعانته على الفعل، وتوفيقه له، وصَرْف موانعه عنه، كما أراد من إبليس أن يسجد لآدم، ولم يرد من نفسه أن يعينه على السجود، ويوفّقه له، ويثبّت قلبه عليه، ويصرفه إليه، ولو أراد ذلك

  1. (١) من قوله: «والرضا به» إلى هنا ساقط من «د».
  2. (٢) تقدم توثيقه (١/ ٤٢٥).
345

منه لسجد له لا محالة.

وقوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] إخباره عن إرادته لفعله لا لأفعال عبيده، وهذا الفعل والإرادة لا ينقسم إلى خير وشرّ كما تقدم.

وعلى هذا؛ فإذا قيل: هو مريد للشر؛ أوهم أنه محب له، راضٍ به.

وإذا قيل: إنه لم يرده؛ أوهم أنه لم يخلقه، ولا كوّنه.

وكلاهما باطل.

وكذلك إذا قيل: إن الشر فعله، أو إنه يفعل الشر؛ أوهم أن الشر فعله القائم به. وهذا محال.

وإذا قيل: لم يفعله، أو ليس بفعل له؛ أوهم أنه لم يخلقه، ولم يكوّنه. وهذا محال.

فانظر ما في إطلاق هذه الألفاظ في النفي والإثبات من الحق والباطل الذي يتبيّن بالاستفصال والتفصيل، وأنّ الصواب١ في هذا الباب ما دلّ عليه القرآن والسنة من أن الشرّ لا يضاف إلى الربِّ تعالى وصفًا ولا فعلًا، ولا يتسمّى باسمه بوجه من الوجوه، وإنما يدخل في مفعولاته بطريق العموم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢]، فـ «ما» ههنا موصولة، أو مصدرية، والمصدر بمعنى المفعول، أي: من شرّ الذي خلقه، أو من شرّ مخلوقه.

وقد يُحذَف فاعله، كقوله حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَإِنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠].

  1. (١) «م»: «أن الصواب»، وسياق الكلام قبله لا يساعده.
346

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي