في دخول الإيمان بالقضاء والقدر والعدل والتوحيد والحكمة تحت قول النبي ﷺ: «ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك» وبيان ما في هذا الحديث من القواعد
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أصاب عبدًا قطّ هَمٌّ ولا غَمٌّ ولا حزنٌ، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سَمّيتَ به نفسك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علّمتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي وغمّي؛ إلا أذهب الله همّه وغمّه، وأبدله مكانه فرحًا»، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتعلمهنّ؟ قال: «بلى، ينبغي لمن يسمعهنّ أن يتعلمهنّ»١.
فقد دلَّ هذا الحديث الصحيح على أمور:
منها: أنه استوعب أقسام المكروه الواردة على القلب، فالهمّ يكون على مكروه يُتوقّع في المستقبل يهتم به القلب. والحزن على مكروه ماضٍ ــ من فوات محبوب أو حصول مكروه ــ إذا تذكّره أحدث له حزنًا. والغمّ يكون على مكروه حاصل في الحال يوجب لصاحبه الغمّ.
فهذه المكروهات الثلاث٢ هي من أعظم أمراض القلب وأدوائه، وقد
(١) تقدم تخريجه (١/ ٢٨٥).
(٢) كذا في «م»: «الثلاث»، وهي ساقطة من «د».
تنوع الناس في طرق أدويتها والخلاص منها، وتباينت طرقهم في ذلك تباينًا لا يحصيه إلا الله، بل كل أحد يسعى في التخلص منها بما يظن أو يتوهّم أنه يخلصه منها.
وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في الخلاص منها لا تزيدها إلا شدة، كمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلاف أنواعها، من أكبر كبائرها إلى أصغرها، وكمن يتداوى منها باللهو واللعب والغناء وسماع الأصوات المطربة وغير ذلك، فأكثر سعي بني آدم، أو كله إنما هو لدفع هذه الأمور والتخلص منها.
وكلهم قد أخطأ الطريق، إلا من سعى في إزالتها بالدواء الذي وصفه الله لإزالتها، وهو دواء مركّب من مجموع أمور، متى نقص منها جزء نقص من الشفاء بقدره.
وأعظم أجزاء هذا الدواء هو التوحيد والاستغفار، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاَسْتَغْفِر لِّذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾[محمد: ١٩]، وفي الحديث: «قال الشيطان: أهلكتُ بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله، فلما رأيتُ ذلك بثثتُ فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا»١.
(١) أخرجه بنحوه ابن أبي عاصم في «السنة» (٧)، وأبو يعلى (١٣٦)، والطبراني في «الدعاء» (١٧٨٠) من حديث أبي بكر مرفوعًا، وإسناده تالف، فيه عثمان بن مطر وعبد الغفور الواسطي كلاهما منكر الحديث، كما في «التاريخ الكبير» (٦/ ٢٥٣، ١٣٧). وفي الباب عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا بإسناد حسن، انظر: «الأمالي المطلقة» (١٣٧).