أراد يكمّله١ أقبل بقلبه، وجَذَبه إليه، وألهمه رشده، وألقى فيه أسباب الخير، ومن لم يرد يكمّله تَرَكه وطَبْعه، وخَلّى بينه وبين نفسه؛ لأنه لا يصلح للتكميل، وليس محله أهلًا، ولا قابلًا لما يوضع فيه من الخير.
وههنا انتهى عِلْم العباد بالقدر.
وأما كونه تعالى جعل هذا يصلح٢ وأعطاه ما يصلح له، وهذا لا يصلح فمنعه ما لا يصلح له= فذاك موجَب ربوبيته وإلهيّته وعلمه وحكمته؛ فإنه سبحانه خالق الأشياء وأضدادها، وهذا مقتضى كماله وظهور أسمائه وصفاته، كما تقدم تقريره.
والمقصود أنه أعدل العادلين في قضائه بالسبب، وقضائه بالمسبَّب، فما قضى في عبده بقضاء إلا وهو واقع في محله الذي لا يليق به غيره، إذ هو الحَكَم العدل، الغني الحميد.
فصل
وقوله: «أسألك بكل اسم هو لك، سمّيتَ به نفسك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علّمتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك».
إنْ كانت الرواية محفوظة هكذا ففيها إشكال؛ فإنه جعل ما أنزله في كتابه، أو علّمه أحدًا من خلقه، أو استأثر به في علم الغيب عنده= قسيمًا لِمَا سمّى به نفسه، ومعلوم أنّ هذا تقسيم وتفصيل لما سمّى به نفسه.
(١) كذا في «د» «م»: «أراد يكمله» مهملة هنا وفي الموضع الآتي، والأشبه: «تكميله».
(٢) «م»: «مصلحا»، والمثبت من «د» أليق بما بعده وأقوم.
فوجه الكلام أن يقال: سمّيتَ به نفسك فأنزلتَه في كتابك، أو علّمتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، فإن هذه الأقسام الثلاثة تفصيل لما سمّى به نفسه.
وجواب هذا الإشكال: أن «أو» حرف عطف، والمعطوف بها أخص مما قبله، فيكون من باب عطف الخاص على العام؛ فإن ما سمّى به نفسه يتناول جميع الأنواع المذكورة بعده، فيكون عَطْفُ كلِّ جملة منها من باب عَطْف الخاص على العام.
فإن قيل: المعهود من عَطْف الخاص على العام أن يكون بالواو دون سائر حروف العطف؟
قيل: المسوّغ لذلك في الواو هو١ تخصيص المعطوف بالذكر بالواو٢ لمرتبة من بين الجنس، واختصاصه بخاصّة تميّزه منه حتى كأنه غيره، أو إرادة٣ لذكره مرتين باسمه الخاص وباللفظ العام، وهذا لا فرق فيه بين العطف بالواو أو بأو، مع أن في العطف بأو على العام فائدة أخرى، وهي بناء الكلام على التقسيم والتنويع، كما يُبنى عليه بإمّا، فيقال: سمّيتَ به نفسك: فإما أنزلتَه في كتابك، وإما علمتَه أحدًا من خلقك.
وقد دلَّ الحديث على أن أسماء الله غير مخلوقة، بل هو الذي تكلم بها، وسمَّى بها نفسه، ولهذا لم يقل: بكل اسم خلقتَه لنفسك، ولو كانت مخلوقة