شفاء العليل

فوجه الكلام أن يقال: سمّيتَ به نفسك فأنزلتَه في كتابك، أو علّمتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، فإن هذه الأقسام الثلاثة تفصيل لما سمّى به نفسه.

وجواب هذا الإشكال: أن «أو» حرف عطف، والمعطوف بها أخص مما قبله، فيكون من باب عطف الخاص على العام؛ فإن ما سمّى به نفسه يتناول جميع الأنواع المذكورة بعده، فيكون عَطْفُ كلِّ جملة منها من باب عَطْف الخاص على العام.

فإن قيل: المعهود من عَطْف الخاص على العام أن يكون بالواو دون سائر حروف العطف؟

قيل: المسوّغ لذلك في الواو هو١ تخصيص المعطوف بالذكر بالواو٢ لمرتبة من بين الجنس، واختصاصه بخاصّة تميّزه منه حتى كأنه غيره، أو إرادة٣ لذكره مرتين باسمه الخاص وباللفظ العام، وهذا لا فرق فيه بين العطف بالواو أو بأو، مع أن في العطف بأو على العام فائدة أخرى، وهي بناء الكلام على التقسيم والتنويع، كما يُبنى عليه بإمّا، فيقال: سمّيتَ به نفسك: فإما أنزلتَه في كتابك، وإما علمتَه أحدًا من خلقك.

وقد دلَّ الحديث على أن أسماء الله غير مخلوقة، بل هو الذي تكلم بها، وسمَّى بها نفسه، ولهذا لم يقل: بكل اسم خلقتَه لنفسك، ولو كانت مخلوقة

  1. (١) «د»: «وهو» تحريف يفسد المعنى.
  2. (٢) «بالواو» من «م».
  3. (٣) «د»: «إرادتين».
365

لم يسأله بها؛ فإن الله لا يُقسَم عليه بشيء من خلقه.

فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من فعل الآدميين وتسمياتهم.

وأيضًا فإن أسماءه مشتقة من صفاته، وصفاته قديمة قائمة به، فأسماؤها غير مخلوقة.

فإن قيل: فالاسم عندكم هو المسمَّى أو غيره؟

قيل: طالما غلط الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه.

فالاسم يراد به المسمَّى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى.

فإذا قلت: قال الله كذا، واستوى الله على عرشه، وسمع الله، ورأى وخلق= فهذا المراد به المسمَّى نفسَه.

وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله، والرحمن وزنه فَعْلان، والرحمن مشتقّ من الرحمة ونحو ذلك= فالاسم١ ههنا للمسمَّى٢، ولا يقال غيره؛ لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خَلَق لنفسه اسمًا، أو حتى سمّاه خَلْقه بأسماء من صنعهم= فهذا من أعظم الضلال والإلحاد.

فقوله في الحديث: «سمَّيتَ به نفسك»، ولم يقل: خلقتَه لنفسك، ولا قال: سَمَّاك به خَلْقك؛ دليلٌ على أنه سبحانه تكلّم بذلك الاسم، وسمّى به

  1. (١) «د»: «فالاننى» دون إعجام.
  2. (٢) كذا في «د»: «للمسمَّى»، وطمست في «م» مع سابقتها.
366

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي