شفاء العليل

نفسه، كما سمّى نفسه في كتبه التي تكلّم بها حقيقة بأسمائه.

وقوله: «أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك» دليلٌ على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره.

وعلى هذا فقوله ﵇: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة»١ لا ينفي أن يكون له غيرها، والكلام جملة واحدة، أي: له أسماء موصوفة بهذه الصفة، كما يقال: لفلان مائة عبد أعدّهم للتجارة، وله مائة فرس أعدّها للجهاد.

وهذا قول الجمهور، وخالفهم ابن حزم، فزعم أن أسماءه تعالى تنحصر في هذا العدد٢.

وقد دلَّ الحديث على أنّ التوسل إليه سبحانه بأسمائه وصفاته أحبُّ إليه وأنفع للعبد من التوسل إليه بمخلوقاته، وكذلك سائر الأحاديث، كما في حديث اسم الله الأعظم٣: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت الحنّان المنّان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم»٤.

وفي الحديث الآخر: «أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا

  1. (١) أخرجه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة.
  2. (٢) انظر: «الفصل» (٢/ ١٢٦)، «المحلى» (١/ ٣٠).
  3. (٣) «د»: «الاسم الأعظم».
  4. (٤) تقدم تخريجه (١/ ٣٣١).
367

أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد»١.

وفي الحديث الآخر: «اللهم إني أسألك بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق»٢.

وكلها أحاديث صحاح، رواها ابن حبان والإمام أحمد والحاكم.

وهذا تحقيق لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].

وقوله: «أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري» يجمع أصلين: الحياة والنور؛ فإن الربيع هو المطر الذي يحيي الأرض فينبت الربيع، فسأل اللهَ بعبوديته له وتوحيده وأسمائه وصفاته أن يجعل كتابه الذي جعله روحًا للعالمين ونورًا حياةً٣ لقلبه؛ بمنزلة الماء الذي تحيى به الأرض، ونورًا له؛ بمنزلة الشمس التي تستنير بها الأرض، والحياة والنور جماع الخير كله.

قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فأخبر أنه روح تحصل به الحياة، ونور تحصل به الهداية، فأتباعه

  1. (١) أخرجه أحمد (٢٢٩٦٥)، وأبو داود (١٤٩٣)، والترمذي (٣٤٧٥) من طرق عن بريدة مطولًا ومختصرًا، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وصححه ابن حبان (٨٩١)، والحاكم (١٨٥٨).
  2. (٢) تقدم تخريجه (٢/ ٣٥٠).
  3. (٣) «د»: «وحياة».
368

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي