شفاء العليل

يجوز، فليست بقضائه وقدره.

وقالت غلاة الجبرية الذين طووا بساط الأمر والنهي: المعاصي بقضاء الله وقدره، والرضا بالقضاء قربة وطاعة، فنحن نرضى بها ولا نسخطها.

واختلفت طرق أهل الإثبات في جواب الطائفتين.

فأجابتهم طائفة بأن لها وجهين: وجهًا يرضى بها منه، وهو إضافتها إلى الله سبحانه خلقًا ومشيئة، ووجهًا يسخط منه، وهو إضافتها إلى العبد فعلًا واكتسابًا.

وهذا جواب جيد لو وفّوا به؛ فإن الكَسْب الذي أثبته كثير منهم لا حقيقة له؛ إذ هو عندهم مقارَنة الفعل للإرادة والقدرة الحادثة من غير أن يكون لهما فيه١ تأثير بوجه ما، وقد تقدم الكلام في ذلك بما فيه كفاية٢.

وأجابهم طائفة أخرى بأنّا نرضى بالقضاء الذي هو فعل الربّ، ونسخط المَقْضِيّ الذي هو فعل العبد.

وهذا جواب جيد لو لم يعودوا عليه بالنقض والإبطال؛ فإنهم قالوا: الفعل عين المفعول، فالقضاء عندهم نفس المَقْضِي، فلو قال الأولون بأنّ للكَسْب تأثيرًا في إيجاد الفعل، وأنه سبب لوجوده، وقال الآخرون بأنّ الفعل غير المفعول= لأصابوا في الجواب.

وأجابهم طائفة أخرى بأنّ من القضاء ما يؤمر بالرضا به، ومنه ما يُنْهى

  1. (١) «فيه» بالكاد تقرأ في «م»، وهي ساقطة من «د».
  2. (٢) أفاض المؤلف في بيان ذلك في الباب السابع عشر (١/ ٣٩١).
371

عن الرضا به، فالقضاء الذي يحبه الله ويرضاه نرضى به، والذي يبغضه ويسخطه لا نرضى به، وهذا كما أن من المخلوقات ما يبغضه ويسخطه وهو خالقه، كالأعيان المسخوطة له، فهكذا الكلام في الأفعال والأقوال سواء.

وهذا جواب جيد، غير أنه يحتاج إلى تمام، فنقول:

الحكم والقضاء نوعان: ديني وكوني.

فالديني يجب الرضا به، وهو من لوازم الإسلام.

والكوني: منه ما يجب الرضا به، كالنعم التي يجب شكرها، ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به، كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله، وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يُستحَب الرضا به، كالمصائب، وفي وجوبه قولان.

هذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المَقْضِي.

وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله، كعِلْمه وكتابته وتقديره ومشيئته؛ فالرضا به من تمام الرضا بالله ربًّا وإلهًا ومالكًا ومدبّرًا.

فبهذا التفصيل يتبين الصواب، ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس.

فإن قيل: فكيف يجتمع الرضا بالقضاء بالمصائب مع شدة الكراهة والنّفْرة منها؟

وكيف يُكَلَّف العبدُ أن يرضى بما هو مؤلم له وهو كاره له، والألم يقتضي الكراهة والبُغض المضاد للرضا، واجتماع الضدين محال؟

372

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي