شفاء العليل

عن الرضا به، فالقضاء الذي يحبه الله ويرضاه نرضى به، والذي يبغضه ويسخطه لا نرضى به، وهذا كما أن من المخلوقات ما يبغضه ويسخطه وهو خالقه، كالأعيان المسخوطة له، فهكذا الكلام في الأفعال والأقوال سواء.

وهذا جواب جيد، غير أنه يحتاج إلى تمام، فنقول:

الحكم والقضاء نوعان: ديني وكوني.

فالديني يجب الرضا به، وهو من لوازم الإسلام.

والكوني: منه ما يجب الرضا به، كالنعم التي يجب شكرها، ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به، كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله، وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يُستحَب الرضا به، كالمصائب، وفي وجوبه قولان.

هذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المَقْضِي.

وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله، كعِلْمه وكتابته وتقديره ومشيئته؛ فالرضا به من تمام الرضا بالله ربًّا وإلهًا ومالكًا ومدبّرًا.

فبهذا التفصيل يتبين الصواب، ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس.

فإن قيل: فكيف يجتمع الرضا بالقضاء بالمصائب مع شدة الكراهة والنّفْرة منها؟

وكيف يُكَلَّف العبدُ أن يرضى بما هو مؤلم له وهو كاره له، والألم يقتضي الكراهة والبُغض المضاد للرضا، واجتماع الضدين محال؟

372

قيل: الشيء قد يكون محبوبًا مرضيًا من جهة، ومكروهًا من جهة أخرى، كشرب الدواء النافع الكريه؛ فإن المريض يرضى به مع شدة كراهته له، وكصوم اليوم الشديد الحر؛ فإن الصائم يرضى به مع كراهته له، وكالجهاد للأعداء، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهْوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فالمجاهد المخلص يعلم أن القتال خير له فيرضى به، وهو يكرهه لما فيه من التعرّض لِتِلاف النفس وألمها ومفارقة المحبوب.

ومتى قوي الرضا بالشيء وتمكّن انقلبت كراهتُه محبة ــ وإن لم يخلُ من الألم ــ، فالألم بالشيء لا ينافي الرضا به، وكراهته من وجه لا تنافي محبته وإرادته والرضا به من وجه آخر.

فإن قيل: فهذا في حكم رضا العبد بقضاء الرب؛ فهل يرضى سبحانه ما قضى به من الكفر والفسوق والعصيان بوجه من الوجوه؟

قيل: هذا الموضع أشكل من الذي قبله.

وقد قال كثير من الأشعرية ــ بل جمهورهم ومن اتبعهم ــ: إن الرضا والمحبة والإرادة في حق الرب تعالى بمعنى واحد، وإن كل ما شاءه وأراده فقد أحبه ورضيه.

ثم أوردوا على أنفسهم هذا السؤال، وأجابوا بأنه لا يمتنع أن يقال: إنه يرضى بها، ولكن لا على وجه التخصيص، بل يقال: يرضى بكل ما خلقه وقضاه وقدّره، ولا نُفْرِد من ذلك الأمور المذمومة، كما يقال: هو ربّ كل شيء، ولا يقال: رب كذا وكذا للأشياء الحقيرة الخسيسة.

373

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي