وهؤلاء قالوا: يكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون.
فسبحان الله وتعالى عما يقول الفريقان علوًّا كبيرًا، والحمد لله الذي هدانا لما أرسل به رسوله، وأنزل به كتابه، وفطر عليه عباده، وبرَّأنا من بدع هؤلاء وهؤلاء، فله الحمد والمنّة، والفضل والنعمة، والثناء الحسن الجميل، ونسأله التوفيق لما يحبه ويرضاه، وأن يجنبنا مضلات البدع والفتن.
الباب التاسع والعشرون
في انقسام القضاء والحُكْم والإرادة والكتابة والأمر والإذن والجَعْل والكلمات والبعث والإرسال والتحريم والإنشاء إلى كوني متعلِّق بخلقه، وإلى ديني متعلِّق بأمره، وما في تحقيق ذلك من إزالة اللبس والإشكال
هذا الباب متصل بالباب الذي قبله، وكل منهما مُقَرِّرٌ لصاحبه، فما كان من الكوني فهو متعلِّق بربوبيته وخلقه، وما كان من الديني فهو متعلِّق بإلهيته وشرعه، وهو كما أخبر عن نفسه سبحانه: ﴿الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾[الأعراف: ٥٤]، فالخلق قضاؤه وقدره وفعله، والأمر شرعه ودينه، فهو الذي خلق وشرع وأمر.
وأحكامه جارية على خَلْقه قدرًا وشرعًا، ولا خروج لأحد عن حكمه الكوني القدري، وأما حكمه الديني الشرعي فيعصيه الفجّار والفسّاق، والأمران غير متلازمين، فقد يقضي ويقدّر ما لا يأمر به ولا شرعه، وقد يشرع ويأمر بما لا يقضيه ولا يقدّره، ويجتمع الأمران فيما وقع من طاعات عباده وإيمانهم، وينتفي الأمران عما لم يقع من المعاصي والفسق والكفر، وينفرد القضاء الديني والحكم الشرعي فيما أمر به وشرعه ولم يفعله المأمور، وينفرد الحكم الكوني فيما وقع من المعاصي.