شفاء العليل

وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في مسألة الأمر والإرادة: هل هما متلازمان أم لا؟

فقالت القدرية: الأمر يستلزم الإرادة، واحتجوا بحجج لا تندفع.

وقالت المثبتة: الأمر لا يستلزم الإرادة، واحتجوا بحجج لا تندفع.

والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية، ولا يستلزم الإرادة الكونية؛ فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا.

وقد يأمر بما لا يريده كونًا وقدرًا، كإيمان مَنْ أَمَرَهُ ولم يوفّقه للإيمان؛ مرادٌ له دينًا لا كونًا، وكذلك١ أَمَر خليله بذبح ابنه، ولم يرده كونًا وقدرًا، وأَمَر رسوله بخمسين صلاة، ولم يرد ذلك كونًا وقدرًا.

وبين هذين الأمرين وأَمْرِ مَن لم يؤمن بالإيمان فرق؛ فإنه سبحانه لم يحب من إبراهيم ذبح ولده، وإنما أحب منه عزمه على الامتثال وتوطين نفسه عليه، وكذلك أَمْرُ محمدٍ ﷺ ليلة الإسراء بخمسين صلاة، وأما أَمْرُ مَنْ عَلِم أنه لا يؤمن بالإيمان فإنه سبحانه يحب من عباده أن يؤمنوا به وبرسله، ولكن اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما أمره به ووفّقه له، وخَذَل بعضهم فلم يعنه ولم يوفّقه، فلم تحصل مصلحة الأمر منهم، وحصلت من الأمر بالذبح.

فصل

وأما الكتابة: فالكونية كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ

  1. (١) «م»: «ولذلك»، والمقام مقام تمثيل لا تعليل.
379

الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤].

والشرعية الأمرية كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣ - ٢٤]، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].

فالأولى: كتابة بمعنى القدر، والثانية: كتابة بمعنى الأمر.

فصل

والأمر الكوني: كقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧]، وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١].

وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦]، فهذا أَمْرُ تقديرٍ كوني لا أمرٌ ديني شرعي؛ فإن الله لا يأمر بالفحشاء، والمعنى: قضينا ذلك وقدّرناه.

وقالت طائفة: بل هو أمر ديني، والمعنى: أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا.

والقول الأول أرجح؛ لوجوه:

أحدها: أنّ الإضمار على خلاف الأصل، فلا يُصار إليه إلا إذا لم يمكن تصحيح الكلام بدونه.

380

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي