مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا﴾١[الأنعام: ١٣١]، فإذا أرسل الرسل إليهم فكذبوهم أراد إهلاكها؛ فأمر رؤساءها ومترفيها أمرًا كونيًّا قدريًّا ــ لا شرعيًّا دينيًّا ــ بالفسق في القرية، فاجتمع على أهلها تكذيبهم وفِسْق رؤسائهم، فحينئذ جاءها أمر الله، وحقّ عليها قولُه بالإهلاك.
والمقصود ذِكْر الأمر الكوني والديني.
ومن الديني قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾[النحل: ٩٠]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾[النساء: ٥٨]، وهو كثير.
فصل
وأما الإذن الكوني: فكقوله تعالى في السِّحر: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[البقرة: ١٠٢]، أي بمشيئته وقدره.
(١) «م» «د»: «وما كان («م»: ربك، «د»: الله) ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون»، كذا وقع خلط بين آيتي الأنعام (١٣١) وهود (١١٧)، وأثبتُّ الأولى لاشتمالها على موضع الشاهد.
وأما الجَعْل الديني فكقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾[المائدة: ١٠٣]، أي: ما شرع ذلك ولا أمر به، وإلا فهو مخلوق له، واقع بقدره ومشيئته.
وأما قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾[المائدة: ٩٧]، فهذا يتناول الجَعْلَيْن؛ فإنما١ جَعَلها كذلك بقدره وشرعه، وليس هذا استعمالًا للمشترك في معنييه، بل إطلاق اللفظ وإرادة القَدْر المشترك بين معنييه، فتأمّله.
فصل
وأما الكلمات الكونية فكقوله: ﴿كَذَلِكَ٢ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[يونس: ٣٣]، وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾[الأعراف: ١٣٧]، وقوله ﷺ: «أعوذ بكلمات الله التامّات التي لا يجاوزهنّ برٌّ ولا فاجر من شرّ ما خلق»٣.