شفاء العليل

فصل

وأما الجَعْل الكوني فكقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهْيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ٨ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سُدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سُدًّا﴾ [يس: ٨ - ٩]، وقوله: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢]، وهو كثير.

وأما الجَعْل الديني فكقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، أي: ما شرع ذلك ولا أمر به، وإلا فهو مخلوق له، واقع بقدره ومشيئته.

وأما قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، فهذا يتناول الجَعْلَيْن؛ فإنما١ جَعَلها كذلك بقدره وشرعه، وليس هذا استعمالًا للمشترك في معنييه، بل إطلاق اللفظ وإرادة القَدْر المشترك بين معنييه، فتأمّله.

فصل

وأما الكلمات الكونية فكقوله: ﴿كَذَلِكَ٢ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣]، وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقوله ﷺ: «أعوذ بكلمات الله التامّات التي لا يجاوزهنّ برٌّ ولا فاجر من شرّ ما خلق»٣.

  1. (١) «م» «د»: «فإنها» تحريف، والصواب ما أثبت.
  2. (٢) «م» «د»: «وكذلك».
  3. (٣) تقدم تخريجه (٢/ ٣٥١).
383

فهذه كلماته الكونية التي يخلق بها ويكوِّن، ولو كانت الكلمات الدينية التي يأمر بها وينهى لكانت مما يجاوزهنّ الفجّار والكفّار.

وأما الدينية فكقوله: ﴿رَحِيمٌ ٥ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ﴾ [التوبة: ٦]، والمراد به القرآن، وقوله ﷺ في النساء: «واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله»١ أي: بإباحته ودينه، وهي قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].

وقد اجتمع النوعان في قوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢]، فكتبه كلماته التي يأمر بها وينهى، ويحلّ ويحرم، وكلماته التي يخلق بها ويُكوِّن، فأخبر أنها ليست جَهْمية تنكر كلمات دينه وكلمات تكوينه، وتجعلها خلقًا من جملة مخلوقاته.

فصل

وأما البعث الكوني فكقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥]، وقوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي﴾ [المائدة: ٣١].

وأما البعث الديني فكقوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، وقوله: ﴿اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ﴾ [البقرة: ٢١٣].

  1. (١) جزء من حديث جابر في حجة الوداع أخرجه مسلم (١٢١٨).
384

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي