شفاء العليل

وقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣].

وأما قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، فهذا يتناول النوعين، فإنه يؤتيها من يشاء أمرًا ودينًا، وتوفيقًا وإلهامًا.

فصل

وأنبياؤه ورسله وأتباعهم حظّهم من هذه الأمور الديني منها، وأعداؤه واقفون مع الكوني القدري، فحيث ما مال القدر مالوا معه، فدينهم دين القدر، ودين الرسل وأتباعهم دين الأمر، فهم يدينون بأمره، ويؤمنون بقدره، وخصماء الله يعصون أمره، ويحتجون بقدره، ويقولون: نحن واقفون مع مراد الله!

نعم، مع مراده الديني أو الكوني؟

ولا ينفعكم وقوفكم مع المراد الكوني، ولا يكون ذلكم عذرًا لكم عنده؛ إذ لو عَذَر بذلك لم يَذُمّ أحدًا مِن خلقه، ولم يعاقبه، ولم يكن في خلقه عاصٍ ولا كافر، ومن زعم ذلك فقد كفر بالله وكتبه كلها، وجميع رسله.

وبالله التوفيق.

386

الباب الموفي ثلاثين

في ذِكْر الفطرة الأولى ومعناها، واختلاف الناس في المراد بها، وأنها لا تنافي القضاء والقدر بالشقاوة والضلال

قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٣٠ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١].

وفي «الصحيحين»١ من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه، كما تُنْتَج البهيمة جَمْعاء، هل تحسّون فيها من جَدْعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها»، ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، وفي لفظ آخر: «ما من مولود إلا يولد على هذه الملة».

وقد اختلف الناس في معنى هذه الفطرة والمراد بها.

فقال القاضي أبو يعلى: في معنى الفطرة ههنا روايتان عن أحمد٢:

  1. (١) تقدم تخريجه في (١/ ١٠٣).
  2. (٢) لم أقف على قول القاضي فيما بين يدي من كتابه «الروايتين»، والمؤلف ينقل في هذا الموضع من كتاب شيخه «درء التعارض» (٨/ ٣٥٩) وما بعدها.
    وحول كلام الإمام أحمد انظر: «السنة» (٣/ ٥٣٤ - ٥٣٦)، «أحكام أهل الملل من الجامع لمسائل الإمام أحمد» كلاهما للخلال (١٤ - ١٨).
387

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي