وفي «الصحيحين»١ من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه، كما تُنْتَج البهيمة جَمْعاء، هل تحسّون فيها من جَدْعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها»، ثم قرأ أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، وفي لفظ آخر: «ما من مولود إلا يولد على هذه الملة».
وقد اختلف الناس في معنى هذه الفطرة والمراد بها.
فقال القاضي أبو يعلى: في معنى الفطرة ههنا روايتان عن أحمد٢:
(١) تقدم تخريجه في (١/ ١٠٣).
(٢) لم أقف على قول القاضي فيما بين يدي من كتابه «الروايتين»، والمؤلف ينقل في هذا الموضع من كتاب شيخه «درء التعارض» (٨/ ٣٥٩) وما بعدها. وحول كلام الإمام أحمد انظر: «السنة» (٣/ ٥٣٤ - ٥٣٦)، «أحكام أهل الملل من الجامع لمسائل الإمام أحمد» كلاهما للخلال (١٤ - ١٨).
إحداهما: الإقرار بمعرفة الله تعالى، وهو العهد الذي أخذه الله عليهم في أصلاب آبائهم، حين مسح ظهر آدم فأخرج١ من ذرّيته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾[الأعراف: ١٧٢].
فليس أحد إلا وهو مقرٌّ بأن له صانعًا ومدبّرًا، وإن سمَّاه بغير اسمه، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[الزخرف: ٨٧]، فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول.
قال٢: وليس الفطرة هنا الإسلام لوجهين:
أحدهما: أنّ معنى الفطرة ابتداء الخلقة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[الشورى: ١١]، أي: مبتدئهما. وإذا كانت الفطرة هي الابتداء وجب أن تكون تلك هي التي وقعت لأول الخليقة، وجرت في فطرة المعقول٣، وهو استخراجهم ذرية؛ لأن تلك حالة ابتدائهم.
ولأنها لو كانت الفطرة هنا الإسلام؛ لوجب إذا وُلِد بين أبوين كافرين أن لايرثهما ولا يرثانه ما دام طفلًا؛ لأنه مسلم، واختلاف الدين يمنع الإرث، ولوجب أن لا يصحّ استرقاقه، ولا يُحْكَم بإسلامه بإسلام أبيه؛ لأنه مسلم.
(١) «م»: «فاجتمع»، والمثبت من «د» موافق لمصدر النقل.
(٢) من قوله: «تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾» إلى هنا ساقط من «د».
(٣) كذا في الأصول، وفي مصدر المؤلف، ووقعت في مصدر القاضي نفسه ــ وهو كتاب «إصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث» لابن قتيبة (٥٨) ــ: «فَطْر العقول»، أي: ابتداءها، وهو الصواب فيما يظهر.