شفاء العليل

إحداهما: الإقرار بمعرفة الله تعالى، وهو العهد الذي أخذه الله عليهم في أصلاب آبائهم، حين مسح ظهر آدم فأخرج١ من ذرّيته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].

فليس أحد إلا وهو مقرٌّ بأن له صانعًا ومدبّرًا، وإن سمَّاه بغير اسمه، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فكل مولود يولد على ذلك الإقرار الأول.

قال٢: وليس الفطرة هنا الإسلام لوجهين:

أحدهما: أنّ معنى الفطرة ابتداء الخلقة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى: ١١]، أي: مبتدئهما. وإذا كانت الفطرة هي الابتداء وجب أن تكون تلك هي التي وقعت لأول الخليقة، وجرت في فطرة المعقول٣، وهو استخراجهم ذرية؛ لأن تلك حالة ابتدائهم.

ولأنها لو كانت الفطرة هنا الإسلام؛ لوجب إذا وُلِد بين أبوين كافرين أن لايرثهما ولا يرثانه ما دام طفلًا؛ لأنه مسلم، واختلاف الدين يمنع الإرث، ولوجب أن لا يصحّ استرقاقه، ولا يُحْكَم بإسلامه بإسلام أبيه؛ لأنه مسلم.

  1. (١) «م»: «فاجتمع»، والمثبت من «د» موافق لمصدر النقل.
  2. (٢) من قوله: «تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾» إلى هنا ساقط من «د».
  3. (٣) كذا في الأصول، وفي مصدر المؤلف، ووقعت في مصدر القاضي نفسه ــ وهو كتاب «إصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث» لابن قتيبة (٥٨) ــ: «فَطْر العقول»، أي: ابتداءها، وهو الصواب فيما يظهر.
388

قال: وهذا تأويل ابن قتيبة، وذكره ابن بطة في «الإبانة»١.

قال: وليس كل من ثبت له المعرفة حُكِم بإسلامه، كالبالغين من الكفار؛ فإنّ المعرفة حاصلة لهم وليسوا بمسلمين.

قال: وقد أومأ أحمد إلى هذا التأويل في رواية الميموني فقال: الفطرة الأولى التي فُطِر الناس عليها. فقال الميموني: الفطرة: الدين؟ قال: نعم٢.

قال القاضي: وأراد أحمد بالدين: المعرفة التي ذكرناها.

قال: والرواية الثانية: الفطرة هنا ابتداء خلقه في بطن أمه؛ لأنّ٣ حَمْله على العهد الذي أخذه عليهم ــ وهو الإقرار بمعرفته ــ حَمْلٌ للفطرة على الإسلام؛ لأن الإقرار بالمعرفة إقرار بالإيمان، والمؤمن مسلم، ولو كانت الفطرة الإسلام لوجب إذا وُلِد بين أبوين كافرين أن لا يرثانه ولا يرثهما.

قال: ولأن ذلك يمنع أن يكون الكفر خَلْقًا لله، وأصول أهل السنة بخلافه.

قال: وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية علي بن سعيد ــ وقد سأله عن قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» ــ فقال: على الشقاوة والسعادة.

وكذلك نقل محمد بن يحيى الكحّال: أنه سأله فقال: هي التي فُطِر الناس عليها: شقي أو سعيد.

  1. (١) «إصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث» (٥٧ - ٥٨) ــ نص عليه في «درء التعارض» (٨/ ٣٦٠) ــ، «الإبانة الكبرى» (٤/ ٧٠).
  2. (٢) انظر: «أحكام أهل الملل من الجامع لمسائل الإمام أحمد» (١٦).
  3. (٣) نهاية نسخة «م»، وما يلي سيكون الاعتماد فيه على «د»، وما يلزم من «ت».
389

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي