وكذلك نقل حنبل عنه، قال: الفطرة التي فطر الله عليها العباد من الشقاوة والسعادة١.
قال: وهذا كله يدل من كلامه على أن المراد بالفطرة ههنا ابتداء خلقه في بطن أمه.
قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية٢: أحمد لم يذكر العهد الأول، وإنما قال: الفطرة الأولى التي فُطِر الناس عليها، وهي الدين. وقال في غير موضع: إن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما حُكِم بإسلامه. واستدلَّ بهذا الحديث، فدلّ على أنه فسَّرَ الحديث بأنه يولد على فطرة الإسلام، كما جاء ذلك مصرَّحًا به في الحديث، ولو لم تكن الفطرة عنده الإسلام لما صحّ استدلاله بالحديث.
وقوله في موضع آخر: يولد على ما فُطِر عليه من شقاوة وسعادة، لا ينافي ذلك؛ فإن الله سبحانه قدّر السعادة والشقاوة وكتبهما، وقدّر أنها تكون بالأسباب التي تحصل بها، كفعل الأبوين.
فتهويد الأبوين وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما قدره الله أنه يُفْعَل بالمولود، والمولود وُلِد على الفطرة سليمًا، ووُلِد على أن هذه الفطرة السليمة يغيّرها الأبوان، كما قَدَّر سبحانه ذلك وكتبه.
كما مثّل النبي ﷺ ذلك بقوله: «كما تُنْتَج البهيمة جَمْعاء، هل تحسّون فيها من جَدْعاء؟»، فبيّن أن البهيمة تولد سليمة ثم يجدعها الناس، وذلك
(١) انظر: «أحكام أهل الملل من الجامع لمسائل الإمام أحمد» (١٦ - ١٧).
(٢) «درء التعارض» (٨/ ٣٦١) وما بعدها.
بقضاء الله وقدره، فكذلك المولود يولد على الفطرة سليمًا، ثم يفسده أبواه، وذلك أيضًا بقضاء الله وقدره.
وإنما قال أحمد وغيره من الأئمة: على ما فُطِر عليه من شقاوة أو سعادة؛ لأنّ القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على [أن]١ الكفر والمعاصي ليس بقضاء الله وقدره، بل مما ابتدأ الناس إحداثه.
ولهذا قالوا لمالك بن أنس: إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث؟ فقال: احتجوا عليهم بآخره، وهو قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين»٢.
فبيَّن الإمام أحمد وغيره أنه لا حجّة فيه للقدرية؛ فإنهم لا يقولون: إن نفس الأبوين خَلَقَا تهويده وتنصيره، بل هو تَهوَّد وتَنصَّر باختياره، لكن كانا سببًا في حصول ذلك بالتعليم والتلقين، فإذا أضيف إليهما بهذا الاعتبار فلأن يُضاف إلى الله الذي هو خالق كل شيء بطريق الأولى؛ لأنه سبحانه وإن كان خلقه مولودًا على الفطرة سليمًا فقد قَدَّر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره، وعلم ذلك.
كما في الحديث الصحيح: «إن الغلام الذي قتله الخضر طُبِع يوم طُبِع كافرًا، ولو بلغ لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا»٣.
فقوله: «طُبِع يوم طُبِع» أي قُدِّر وقُضِي في الكتاب أنه يكفر، لا أن كفره كان موجودًا قبل أن يولد، ولا في حال ولادته؛ فإنه مولود على الفطرة
(١) زيادة لازمة من مصدر النقل.
(٢) أسنده من هذا الوجه أبو داود (٤٧١٥).
(٣) جزء من حديث أبي بن كعب في قصة موسى والخضر أخرجه بنحوه مسلم (٢٣٨٠).