ومن ظن أنّ الطبع على قلبه، وهو١ الطبع المذكور على قلوب الكفار؛ فهو غالط؛ فإن ذلك لا يقال فيه: طُبِع يوم طُبِع؛ إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره.
وقد ثبت في «صحيح مسلم»٢ عن عياض بن حمار، عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربّه ﵎ أنه قال: «خَلَقْتُ عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين، وحَرّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا»، وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك.
وكذلك في حديث الأسود بن سَرِيع الذي رواه أحمد وغيره٣ قال: بعث النبي ﷺ سرية فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فقال لهم النبي ﷺ: «ما حملكم على قَتْل الذرّية؟» قالوا: يا رسول الله، أليسوا أولاد المشركين؟ قال: «أوَ ليس خياركم أولاد المشركين؟!»، ثم قام النبي ﷺ خطيبًا فقال: «ألا إنّ كل مولود يولد على الفطرة حتى يُعْرِبَ عنه لسانُهُ».
فخطبته لهم بهذا الحديث عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين،
(١) كذا في «د» ومصدر النقل: «وهو»، والأليق بالسياق: «هو» دون واو.
(٢) تقدم تخريجه (٢/ ٦٥).
(٣) أحمد (١٥٥٨٨)، ومعمر في «الجامع» (٢٠٠٩٠)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١١٦٠) من حديث الحسن عن الأسود بن سريع، والحسن لم يسمع منه، كما جزم به ابن المديني في «العلل» (٥٥)، وانظر: «تحفة التحصيل» (٧١). والحديث صححه الحاكم (٢٥٦٦).
وقوله لهم: «أوَ ليس خياركم أولاد المشركين؟!» = نصٌّ أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار١، ثم الكفر طرأ بعد ذلك، ولو أراد أن المولود حين يولد يكون إما مسلمًا وإما كافرًا على ما سبق له به القدر؛ لم يكن فيما ذَكَر حجّةٌ على ما قَصَد من نهيه عن قتل أولاد المشركين.
وقد ظنّ بعضهم أن معنى قوله: «أوَ ليس خياركم أولاد المشركين؟!» أنه قد يكون سبق٢ في علم الله أنهم لو بقوا لآمنوا، فيكون النهي راجعًا إلى هذا المعنى من التجويز.
وليس هذا معنى الحديث، لكن معناه أن خياركم هم السابقون الأولون وهؤلاء من أولاد المشركين، فإن آباءهم كانوا كفارًا، ثم إن البنين أسلموا بعد ذلك، فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنًا؛ فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه، وهو سبحانه يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، كما يخرج الحيّ من الميت، ويخرج الميت من الحيّ.
فصل٣
وهذا الحديث قد روي بألفاظ يفسِّر بعضها بعضًا، ففي «الصحيحين»٤ ــ واللفظ للبخاري ــ عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه
(١) كذا في «د»، وفي مصدر النقل: «يبين أنه أراد ...».
(٢) «سبق» من «ت»، ومصدر المؤلف.
(٣) لا يزال النقل مستمرًّا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.