شفاء العليل

وقوله لهم: «أوَ ليس خياركم أولاد المشركين؟!» = نصٌّ أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار١، ثم الكفر طرأ بعد ذلك، ولو أراد أن المولود حين يولد يكون إما مسلمًا وإما كافرًا على ما سبق له به القدر؛ لم يكن فيما ذَكَر حجّةٌ على ما قَصَد من نهيه عن قتل أولاد المشركين.

وقد ظنّ بعضهم أن معنى قوله: «أوَ ليس خياركم أولاد المشركين؟!» أنه قد يكون سبق٢ في علم الله أنهم لو بقوا لآمنوا، فيكون النهي راجعًا إلى هذا المعنى من التجويز.

وليس هذا معنى الحديث، لكن معناه أن خياركم هم السابقون الأولون وهؤلاء من أولاد المشركين، فإن آباءهم كانوا كفارًا، ثم إن البنين أسلموا بعد ذلك، فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنًا؛ فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه، وهو سبحانه يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، كما يخرج الحيّ من الميت، ويخرج الميت من الحيّ.

فصل٣

وهذا الحديث قد روي بألفاظ يفسِّر بعضها بعضًا، ففي «الصحيحين»٤ ــ واللفظ للبخاري ــ عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه

  1. (١) كذا في «د»، وفي مصدر النقل: «يبين أنه أراد ...».
  2. (٢) «سبق» من «ت»، ومصدر المؤلف.
  3. (٣) لا يزال النقل مستمرًّا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
  4. (٤) تقدم تخريجه (١/ ١٠٣).
393

يُهَوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسانه، كما تُنْتَج البهيمة جَمْعاء١، هل تحسّون فيها من جَدْعاء؟»، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]، قالوا: يا رسول الله، أفرأيت مَن يموت صغيرًا؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين».

وفي «الصحيح»٢ قال الزهري: يُصلَّى على كل مولود متوفّى وإن كان لِغَيَّةٍ٣؛ من أجل أنه وُلِد على فطرة الإسلام؛ إذا استهلّ صارخًا، ولا نصلي على من لم يستهلّ؛ من أجل أنه سِقْطٌ، فإن أبا هريرة كان يحدث أن النبي ﷺ قال: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسانه، كما تُنْتَج البهيمة جَمْعاء، هل تحسّون فيها من جَدْعاء؟»، ثم يقول أبو هريرة ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.

وفي «الصحيحين»٤ من رواية الأعمش: «ما من مولود٥ إلا وهو على الملة».

وفي رواية أبي معاوية عنه: «إلا على هذه الملة، حتى يُعْرِب عنه لسانه».

  1. (١) كذا في «د»: «تنتج البهيمة جمعاء» هنا وفي الموضع الآتي، وفي مصدري النقل والرواية: «تنتج البهيمة بهمية جمعاء».
  2. (٢) البخاري (١٣٥٨).
  3. (٣) أي من زنا، من الغي وهو ضد الرشد، انظر: «إرشاد الساري» (٢/ ٤٤٩).
  4. (٤) مسلم (٢٦٥٨/ ٣٣) هذه الرواية والتي تليها، ولم أقف عليها عند البخاري، وكأن قوله: «وفي الصحيحين» سبق قلم من المؤلف؛ بدلالة عزوها إلى الصحيح وحده في مصدر النقل.
  5. (٥) في مصدري النقل والرواية: «ما من مولود يولد».
394

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي