قال ابن عبد البر٢: وقالت طائفة: المراد بالفطرة في هذا الحديث الخِلْقة التي خُلِق عليها المولود من المعرفة بربّه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خِلْقة يعرف بها ربّه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد أنه خُلِق خِلْقة مخالفة لخِلْقة البهائم التي لا تصل بخَلْقها٣ إلى معرفته.
قالوا: والفاطر هو الخالق.
وأنكرت أن يكون المولود يُفطَر على إيمان أو كفر.
قال شيخنا: صاحب هذا القول إن أراد بالفطرة التمكّن من المعرفة والقدرة عليها؛ فهذا ضعيف؛ فإن مجرّد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا، ولا أن يكون على الملّة، ولا يحتاج أن يُذْكَر تغييرُ أبويه لفطرته حين يُسأل عمن مات صغيرًا، ولأن القدرة في الكبير أكمل منها في الصغير.
وهو لمّا نهاهم عن قتل الصبيان فقالوا: إنهم أولاد المشركين؟ قال: «أَوَليس خياركم أولاد المشركين؟ ما من مولود إلا ويولد على الفطرة»، ولو أريد القدرة لكان البالغون كذلك، مع كونهم مشركين مستوجبين للقتل.
وإن أراد بالفطرة القدرة على المعرفة مع إرادتها؛ فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدلّ على أنهم فُطِروا على القدرة على المعرفة وإرادتها، وذلك مُسْتَلزِم للإيمان.
قال أبو عمر٢: وقال آخرون معنى قوله: «يولد على الفطرة» يعني: البداءة التي ابتدأهم عليها، يريد أنه مولود على ما فَطَر اللهُ عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت، والسعادة والشقاء، إلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم٣ واعتقادهم.
قالوا: والفطرة في كلام العرب: البداءة، والفاطر المبتدئ، وكأنه قال: يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاء والسعادة وغير ذلك، مما يصير إليه، وقد فُطِر عليه.