وكذلك نقل عنه علي بن سعيد أنه سأل أبا عبد [الله] عن «كل مولود يولد على الفطرة» قال: [على] الشقاوة والسعادة، قال: يرجع إلى ما خلق١.
وعن الحسن بن ثواب، قال: سألت أبا عبد الله عن أولاد المشركين، قلت: إن ابن أبي شيبة أبا بكر، قال: هو على الفطرة حتى يهوّده أبواه أو يُنَصِّرانه؟
فلم يعجبه شيء من هذا القول، وقال: كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة، يولد على الفطرة التي خُلِق عليها من الشقاء والسعادة التي سبقت في أمّ الكتاب، أَرْفَعُ٢ ذلك إلى الأصل، هذا معنى: «كل مولود يولد على الفطرة».
فمن أصحابه [مَن جعل] هذا قولًا قديمًا له، ثم تركه، ومنهم من جعل المسألة على روايتين وأطلق، ومنهم من حكى عنه فيها ثلاث روايات: الثالثة الوقف.
فصل٣
قال شيخنا: والإجماع والآثار المنقولة عن السلف لا يدل إلا على
(١) في «درء التعارض»: «فإليه يرجع على ما خلق»، وما بين المعقوفات مستدرك منه.
(٢) وتحتمل الضبط على الأمر: «ارْفَعْ»، وفي كتاب الخلال: «ارجع»، والمعنى فيهما متقارب، كأنه يريد أن الفطرة هي ما كُتِب على المولود في اللوح المحفوظ ــ وهو الأصل ــ.
(٣) انظر: «درء التعارض» (٨/ ٤١٠ - ٤١٣)، وما بين المعقوفات منه.
القول الذي رجحناه، وهو أنهم [ولدوا] على الفطرة، ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله فيهم من سعادة وشقاوة، لا يدل على أنهم حين الولادة لم يكونوا على فطرة سليمة مقتضية للإيمان، ومستلزمة له لولا المعارِض.
وروى ابن عبد البر بإسناده عن موسى بن عُبَيدة: سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ٢٩ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمِ الضَّلَالَةُ﴾[الأعراف: ٢٩ - ٣٠]، قال: من ابتدأ الله خلقه على الهدى صَيَّره إلى الهدى، وإن عمل بعمل أهل الضلالة، ومن ابتدأ خلقه للضلالة صيَّره إلى الضلالة، وإن عمل بعمل أهل الهدى، ابتدأ خلق إبليس على الضلالة، وعمل بعمل أهل السعادة مع الملائكة، ثم ردَّه الله إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الضلالة، فقال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾[البقرة: ٣٤]، وابتدأ خلق السحرة على الهدى، وعملوا بعمل الضلالة، ثم هداهم الله إلى الهدى والسعادة، وتوفاهم عليها مسلمين١.
فهذا المنقول عن محمد بن كعب يبيّن أن الذي ابتدأهم عليه هو ما كتب أنهم صائرون إليه، وأنهم قد يعملون قبل ذلك غيره، وأن من ابْتُدِئ على الضلالة ــ أي كُتِب أن يموت ضالًّا ــ فقد يكون قبل ذلك عاملًا بعمل أهل الهدى، وحينئذ فمن وُلِد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى لا يمنع٢ أن يعرض لها ما يغيرها، فيصير إلى ما سبق به القدر.
كما في الحديث الصحيح: «إنّ أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما