وسئل حماد بن سلمة، عن قول النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة»، فقال: هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم١.
قال ابن قتيبة: يريد حين مسح ظهر آدم، فاستخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾[الأعراف: ١٧٢]٢.
قال شيخنا٣: أصلُ مقصودِ الأئمة صحيح، وهو منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر، لكن لا يُحتاج مع ذلك أن يُفسَّر القرآن والحديث إلا بما هو مراد الله ورسوله، ويجب أن يُتّبع في ذلك ما دلّ عليه الدليل.
وما ذكروه أنّ الله فطرهم على الكفر والإيمان والمعرفة والنَّكَرة إن أرادوا به أنّ الله سبق علمُهُ وقدرُهُ بأنهم سيؤمنون ويكفرون ويعرفون وينكرون، وأن ذلك كان بمشيئة الله وقدره وخلقه= فهذا حقٌّ تردّه القدرية، فغلاتُهم ينكرون العلم، وجميعهم ينكرون عموم خلقه ومشيئته وقدرته.
وإن أرادوا أن هذه المعرفة والنَّكَرة كانت موجودة حين أخذ الميثاق كما في ظاهر المنقول عن إسحاق= فهذا يتضمن شيئين:
أحدهما: أنهم حينئذ كانت المعرفة والإيمان موجودًا فيهم، كما قال ذلك طوائف من السلف، وهو الذي حكى إسحاق الإجماع عليه.
(١) رواه أبو داود (٤٧١٦).
(٢) «إصلاح غلط أبي عبيد» (٥٧).
(٣) «درء التعارض» (٨/ ٤٢١).
وفي تفسير الآية نزاع بين الأئمة١، وكذلك في خلق الأرواح قبل الأجساد قولان معروفان.
لكن المقصود هنا أن هذا إن كان حقًّا فهو توكيد لكونهم ولدوا على تلك المعرفة والإقرار، فهذا لا يخالف ما دلت عليه الأحاديث من أنه يولد على الملة، وأن الله خلق خلقه حنفاء، بل هو مؤيد لذلك٢.
وأما قول القائل: إنهم في ذلك الإقرار انقسموا إلى مطيع وكافر، فهذا لم يُنقل عن أحد من السلف فيما أعلم إلا عن السُّدِّي في تفسيره، قال: لما أخرج الله آدم من الجنة ــ قبل أن يهبطه من السماء ــ مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منه ذرّية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذرّ، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي. ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرّية سوداء كهيئة الذرّ، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي. ذلك قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾[الواقعة: ٢٧]، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾[الواقعة: ٤١] ثم أخذ منهم الميثاق، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فأعطاه طائفةٌ طائعين، وطائفةٌ كارهين على وجه التَّقِيّة، فقال هو والملائكة: ﴿شَهِدْنَا يَقُولُوا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾[الأعراف: ١٧٢]، فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله بأنه ربّه، وذلك قوله ﷿: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾[آل عمران: ٨٣]، وكذلك٣ قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
(١) تحتمل في «د»: «الأمة»، والمثبت أليق بالسياق.
(٢) كذا في «د» و«درء التعارض»: «مؤيد لذلك»، وفي نسخة خطية منه: «مريد لذلك».
(٣) كذا في «د»: «وكذلك»، وفي مصدر النقل: «وذلك»، وهو الأقرب.