شفاء العليل

وإن لم يكن التكليف قبل البلوغ بالشرائع واقعًا؛ فلا يمتنع وقوعه بالتوحيد ومعرفة الله، كما قاله طوائف من أهل الكلام والفقه من أصحاب أبي حنيفة وأحمد وغيرهم.

وعلى هذا فيمكن أن يكون مكلّفًا بالإيمان قبل البلوغ، وإن لم يكن مكلّفًا بشرائعه، وكُفْر الصبي المميِّز [صحيح]١ عند أكثر العلماء، فإذا ارتدّ صار مرتدًّا، لكن لا يُقتَل حتى يبلغ.

فالغلام الذي قتله الخضر: إما أن يكون كافرًا بعد البلوغ؛ فلا إشكال، وإما أن يكون غير بالغ وهو مكلف في تلك الشريعة؛ فلا إشكال أيضًا، وإما أن يكون مكلفًا بالتوحيد والمعرفة غير مكلف بالشرائع؛ فيجوز قتله في تلك الشريعة، وإما أن لا يكون مكلفًا [أصلًا]٢؛ فقُتِل لئلا يفتن أبويه عن دينهما، كما يُقتل الصبي الكافر في ديننا إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين إلا بالقتل، [بل الصبي الذي يقاتل المسلمين يقتل، فقتل الصبي الكافر يجوز لدفع صياله الذي لا يندفع إلا بالقتل]٣.

وأما قتلُ صبي لم يكفر بعد، بين أبوين مؤمنين؛ للعلم بأنه إذا بلغ كفَرَ وفَتَن أبويه؛ فقد يُقال: ليس في القرآن ولا في السنة ما يدل عليه.

وأيضًا فإن الله لم يأمر أن يُعاقَب أحدٌ بما يُعلم أنه يكون منه قبل أن يكون منه، ولا هو سبحانه يُعاقِب العباد على ما يَعلم أنهم سيفعلونه حتى يفعلوه.

  1. (١) «صحيح» من «درء التعارض».
  2. (٢) «أصلًا» من «ت».
  3. (٣) من قوله: «بل الصبي» إلى هنا مستدرك من «ت»، ونحوه في «درء التعارض».
432

وقائل هذا القول يقول: إنه ليس في قصة الخضر شيء من الاطلاع على الغيب الذي لا يعلمه عموم الناس، وإنما فيها عِلْمه بأسباب لم يكن عَلِم بها موسى، مثل عِلْمه بأنّ السفينة لمساكين يعملون، ووراءهم ملك ظالم، وهذا أمر يعلمه غيره. وكذلك كون الجدار كان لغلامين يتيمين، وأنّ أباهما كان رجلًا صالحًا، وأنّ تحته كنزًا لهما؛ مما يمكن أن يعلمه كثيرٌ من الناس. وكذلك كُفْر الصبي مما يمكن أنه كان يعلمه كثير من الناس حتى أبواه، لكن لمحبتهما له لا ينكران عليه، أو لا يقبل منهما.

فإن كان الأمر على ذلك؛ فليس في الآية حُجّة على قولهم أصلًا.

وإن [كان]١ ذلك الغلام لم يكفر بعد، ولكن سبق في العلم أنه إذا بلغ كَفَر؛ فمن يقول هذا يقول: إنّ قَتْله دفعًا لشره٢، كما قال نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ٢٦ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧].

وعلى هذا فلم يكن قبل قيام الكفر به كافرًا.

وقراءة ابن عباس: «وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين»؛ ظاهرة أنه كان حينئذٍ كافرًا.

فإن قيل: فهذا الغلام كان أبواه مؤمنين؛ فلو كان مولودًا على فطرة الإسلام ــ وهو بين أبوين مسلمين ــ لكان مسلمًا تبعًا لهما، وبحكم الفطرة، فكيف يُقتَل والحالة هذه؟

  1. (١) «كان» من «ت».
  2. (٢) «درء التعارض»: «إنه قُتِل دفعًا لشره».
433

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي