قيل: إن كان بالغًا فلا إشكال، وإن كان مميِّزًا وقد كفر فيصح كفره وردَّته عند كثيرٌ من العلماء، وإن [كان]١ لا يُقتَل حتى يبلغ عندهم، فلعل في تلك الشريعة يجوز قتْل المميِّز الكافر، وإن كان صغيرًا غير٢ مميِّز فيكون قتْله خاصًّا به؛ لأن الله أطلع الخضر على أنه لو بلغ لاختار غير دين الأبوين.
وعلى هذا يدل قول ابن عباس لنجدة ــ وقد سأله عن قَتْل صبيان الكفار فقال ــ: «إن علمتَ فيهم ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم»٣.
فإن قيل: إذا كان مولودًا على الفطرة وأبواه مؤمنين؛ فمن أين جاءه الكفر؟
قيل: إنما قال النبي ﷺ ذلك على الغالب، وإلا فالكفر قد يأتيه من قبل غير أبويه، فهذا الغلام إن كان كافرًا في الحال فقد جاءه الكفر من غير جهة أبويه، وإن كان المراد أنه إذا بلغ سيكفر باختياره فلا إشكال.
فصل٤
وأما تفسير قول النبي ﷺ: «فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه» أنه أراد به مجرّد الإلحاق في أحكام الدنيا دون أن يكون أراد أنهما يغيّران الفطرة= فهذا خلاف ما يدلّ عليه الحديث؛ فإنه شَبّه تكفير الأطفال بجَدْع البهائم تشبيهًا للتغيير بالتغيير.
(١) «كان» من «ت».
(٢) «د»: «وإن كان غير صغيرا غير»، والمثبت من «ت».
(٣) أخرجه مسلم (١٨١٢).
(٤) انظر: «درء التعارض» (٨/ ٤٣٠ - ٤٣٢).
وأيضًا فإنه ذكر هذا الحديث لمّا قتلوا١ أولاد المشركين فنهاهم عن قتلهم، وقال: «أليس خياركم أولاد المشركين؟ كل مولود يولد على الفطرة»، فلو أراد أنه تابعٌ لأبويه في الدنيا لكان هذا حجة له، يقولون: هم كفار كآبائهم؛ [فنقْتُلُهم كآبائهم]٢.
وكون الصغير يتبع أبواه٣ في أحكام الدنيا هو لضرورة بقائه في الدنيا؛ فإنه لابدّ له من مربٍّ يربيه، وإنما يربيه أبواه، فكان تابعًا لهما ضرورة.
ولهذا مَن سُبِي منفردًا عنهما صار تابعًا لسابِيهِ عند جمهور العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم؛ لكونه هو الذي يربّيه.
وإذا سُبِي منفردًا عن أحدهما أو معهما ففيه نزاع بين العلماء.
واحتجاج الفقهاء كأحمد وغيره بهذا الحديث على أنه متى سُبِي منفردًا عن أبويه يصير مسلمًا؛ لا٤ يستلزم أن يكون المراد بتكفير الأبوين٥ مجرد لحاقه بهما٦ في الدين، ولكن وجه الحجة أنه إذا وُلِد على الملّة فإنما ينقله عنها الأبوان اللذان يغيرانه عن٧ الفطرة، فمتى سباه المسلمون منفردًا
(١) «د»: «قتل»، والمثبت من «درء التعارض».
(٢) «فنقتلهم كآبائهم» من «ت».
(٣) كذا في «د»: «أبواه»، والجادة فيه النصب على المفعول: «أبويه»، ووقع في مصدر المؤلف: «أباه».
(٤) «د»: «إذ»، والصواب من «درء التعارض».
(٥) «د»: «الأبوين لهما» بزيادة «لهما» ولا معنى لها، وليست في مصدر المؤلف.