وأيضًا فإنه ذكر هذا الحديث لمّا قتلوا١ أولاد المشركين فنهاهم عن قتلهم، وقال: «أليس خياركم أولاد المشركين؟ كل مولود يولد على الفطرة»، فلو أراد أنه تابعٌ لأبويه في الدنيا لكان هذا حجة له، يقولون: هم كفار كآبائهم؛ [فنقْتُلُهم كآبائهم]٢.
وكون الصغير يتبع أبواه٣ في أحكام الدنيا هو لضرورة بقائه في الدنيا؛ فإنه لابدّ له من مربٍّ يربيه، وإنما يربيه أبواه، فكان تابعًا لهما ضرورة.
ولهذا مَن سُبِي منفردًا عنهما صار تابعًا لسابِيهِ عند جمهور العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم؛ لكونه هو الذي يربّيه.
وإذا سُبِي منفردًا عن أحدهما أو معهما ففيه نزاع بين العلماء.
واحتجاج الفقهاء كأحمد وغيره بهذا الحديث على أنه متى سُبِي منفردًا عن أبويه يصير مسلمًا؛ لا٤ يستلزم أن يكون المراد بتكفير الأبوين٥ مجرد لحاقه بهما٦ في الدين، ولكن وجه الحجة أنه إذا وُلِد على الملّة فإنما ينقله عنها الأبوان اللذان يغيرانه عن٧ الفطرة، فمتى سباه المسلمون منفردًا
(١) «د»: «قتل»، والمثبت من «درء التعارض».
(٢) «فنقتلهم كآبائهم» من «ت».
(٣) كذا في «د»: «أبواه»، والجادة فيه النصب على المفعول: «أبويه»، ووقع في مصدر المؤلف: «أباه».
(٤) «د»: «إذ»، والصواب من «درء التعارض».
(٥) «د»: «الأبوين لهما» بزيادة «لهما» ولا معنى لها، وليست في مصدر المؤلف.
(٦) «د»: «لهما» تحريف، والتصحيح من «درء التعارض».
(٧) «د»: «على»، والتصحيح من المصدر.
عنهما لم يكن هناك من يغير دينه، وهو مولود على الملة الحنيفية فيصير مسلمًا بالمُقْتضِي السالم عن المعارض.
ولو كان الأبوان يجعلانه كافرًا في نفس الأمر بدون تعليم وتلقين لكان الصبي المَسْبِي بمنزلة البالغ الكافر، ومعلوم أن البالغ الكافر إذا سباه المسلمون لم يصر مسلمًا؛ لأنه صار كافرًا حقيقة، فلو كان الصبي التابع لأبويه كافرًا حقيقة لم ينتقل عن الكفر بالسّباء، فعُلِم أنه كان يجري عليه حكم الكفر في الدنيا تبعًا لأبويه، لا لأنه صار كافرًا في نفس الأمر.
يبين ذلك: أنه لو سباه كفار ولم يكن معه أبواه لم يصر مسلمًا، فهو هنا كافر في حكم الدنيا، وإن لم يكن أبواه هوّداه ونصّراه.
فعُلِم أن المراد بالحديث: أنّ الأبوين يلقّنانه١ الكفر ويعلمانه إياه.
وذَكَر النبي ﷺ الأبوين لأنهما الأصل العام الغالب في تربية الأطفال؛ فإن كل طفل فلا بدّ له من أبوين، وهما اللذان يربيانه مع بقائهما وقدرتهما.
ومما يبين ذلك: قوله في الحديث الآخر: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يُعْرِب عنه لسانه: فإما شاكرًا وإما كفورًا»٢، فجعله على الفطرة إلى أن يعقل ويميز، فحينئذ يتبين له أحد الأمرين، ولو كان كافرًا في الباطن بكفر
(١) «د»: «يلقناه» خطأ، والصواب من «درء التعارض».
(٢) أخرجه أحمد (١٤٨٠٥)، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٩٩٩) من حديث الحسن عن جابر به، وفي إسناده مقال، الحسن لم يسمع من جابر كما في «المراسيل» (٣٦)، وفيه أيضًا أبو جعفر الرازي ليّن الحديث، انظر: «تهذيب الكمال» (٣٠/ ١٩٩). ويشهد لأوله حديث أبي هريرة المتقدم في الصحيح.