المعلوم بالضرورة أن أهل الحرب فيهم من بلغ يتيمًا كغيره، وأحكام الكفار المحاربين جارية عليهم.
والرواية الثالثة: إنْ كفله أهل دينه فهو باقٍ في دين أبويه، وإنْ كفله المسلمون فهو مسلم، نَصّ عليه في رواية يعقوب بن بختان، كما ذكره الخلّال في «جامعه»١ عنه قال: سئل أبو عبد الله عن جارية نصرانية لقوم، فولدت عندهم، ثم ماتت، ما يكون الولد؟
قال: إذا كفله المسلمون ولم يكن له مَن يكفله إلا هم فهم مسلمون٢.
قيل له: فإن مات بعد الأم بقليل؟
قال: يدفنه المسلمون.
وقال في رواية أبي الحارث في جارية نصرانية لرجل مسلم، لها زوج نصراني، فولدت عنده، وماتت عند المسلم، وبقي ولدها عنده، ما يكون حكم هذا الصبي؟
قال: إذا كفله المسلمون فهو مسلم.
وهذه الرواية وإن لم يذكرها عامة الأصحاب، وهي من «جامع الخلال»؛ فهي أصح الأقوال في هذه المسألة دليلًا، وهي التي نختارها، وبها تجتمع الأدلة.
(١) «أحكام أهل الملل من الجامع» (٢٧).
(٢) كذا في «د» على الجمع، والأشبه بالسياق الإفراد: «فهو مسلم»، وكذلك هو في كتاب الخلال، و«أحكام أهل الذمة» (٢/ ٩٤٣).
فإن الطفل يتبع مالكه وسابِيهِ، فكذلك يتبع كافله وحاضنه؛ فإنه لا يستقل بنفسه، بل لا بدّ له ممن يتبعه ويكون معه، فتبعيّته لحاضنه وكافله أولى من جعله كافرًا بكون أبويه كافرين، وقد انقطعت تبعيّته لهما. بخلاف ما إذا كفله أهل دين الأبوين فإنهم يقومون مقامهما، ولا أثر لفقد الأبوين إذا كفله جده وجدته أو غيرهما من أقاربه.
فهذا القول أرجح في النظر، والله أعلم.
وليس المقصود ذكر هذه المسائل وما يصير به الطفل مسلمًا، فإنا قد استوفيناها في كتابنا في «أحكام أهل الملل» بأدلتها واختلاف العلماء من السلف والخلف فيها، وذِكْر مآخذهم، وإنما المقصود ذِكْر الفطرة، وأنها هي الحنيفية، وأنها لا تنافي القدر السابق بالشقاوة، والله أعلم.
فصل١
قال أبو عمر٢: وقال آخرون في معنى قول النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة» لم يرد رسول الله ﷺ بذكر الفطرة ههنا كفرًا ولا إيمانًا ولا معرفة ولا إنكارًا، وإنما أراد أنّ كل مولود يولد على السلامة خِلْقة وطَبْعًا وبِنْية ليس معها كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميّز.
واحتجوا بقوله في الحديث: «كما تُنْتَج البهيمة بهيمة جَمْعاء» يعني: سالمة «هل تحسّون فيها من جَدْعاء» يعني: مقطوعة الأذن، فمَثَّل قلوب بني