وإن كان المراد بهذا القول ما قاله طائفة من العلماء: إن المراد أنهم وُلِدوا على الفطرة السليمة، التي لو تُرِكت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار، والإيمان على الكفر، ولكن بما عَرَض لها من الفساد خرجت عن هذه الفطرة= فهذا القول قد يقال: لا يَرِدُ عليه ما يَرِدُ على القول الذي قبله؛ فإن صاحبه يقول: في الفطرة قوة تميل بها إلى المعرفة والإيمان، كما في البدن السليم قوة يحب بها٢ الأغذية النافعة، وبهذا كانت محمودة، وذُمّ من أفسدها.
لكن يقال: فهذه الفطرة التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية: هل هي كافية في حصول المعرفة، أو تقف المعرفة على أدلة من خارج؟
فإن كانت المعرفة تقف على أدلة من خارج أمكن أن توجد تارة وتعدم أخرى. ثم ذلك السبب الخارج يمتنع أن يكون موجِبًا للمعرفة بنفسه، بل غايته أن يكون مُعَرِّفًا ومُذَكِّرًا، فعند ذلك إن وجب حصول المعرفة كانت واجبة الحصول عند وجود تلك الأسباب، وإلا فلا.
وحينئذ فلا يكون فيها إلا قبول المعرفة والإيمان، وحينئذ فلا فرق فيها بين الإيمان والكفر، والمعرفة والإنكار، إنما فيها قوة قابلة لكل منهما واستعداد له، لكن يتوقف على المؤثِّر الفاعل من خارج، وهذا هو القسم
(١) انظر: «درء التعارض» (٨/ ٤٤٥ - ٤٥٠).
(٢) «د»: «بها إلى».
الأول الذي أبطلناه، وبيّنا أنه ليس في ذلك مَدْحٌ للفطرة.
وأما إن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها ــ وإن لم يوجد مَن يعلّمها أدلةَ المعرفة ــ[لزم حصول المعرفة]١ فيها بدون ما تسمعه من الأدلة، سواء قيل: إن المعرفة ضرورية فيها، أو قيل: إنها تحصل بأسباب تنتظم في النفس.
وإن لم تَسْمَعْ كلام مُستدِل فإن النفس قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما لا يحتاج٢ معه إلى كلام الناس، فإن كان كل مولود يولد على هذه الفطرة لزم أن يكون المقتضِي للمعرفة حاصلًا لكل مولود، وهو المطلوب، والمقتضِي التام يستلزم مقتضاه، فتبين أنّ أحد الأمرين لازم: إما كون الفطرة مستلزمة للمعرفة، وإما استواء الأمرين بالنسبة إليها، وذلك ينفي مدحها.
وتلخيص ذلك أن يقال: المعرفة والإيمان بالنسبة إليها ممكن بلا ريب: فإما أن تكون هي موجِبة مستلزمة لذلك، وإما أن لا تكون مستلزمة له، فلا يكون واجبًا لها، فإن كان الثاني لم يكن فرق بين الكفر والإيمان بالنسبة إليها، أو كلاهما ممكن لها، فثبت أن المعرفة لازمة لها، إلا أن يعارضها معارض.
فإن قيل: ليست موجِبة مستلزمة للمعرفة، ولكن هي إليها أَمْيل، مع قبولها للنَّكَرة.
قيل: فحينئذ إذا لم تستلزم المعرفة؛ وُجِدت٣ تارة، وعُدِمت تارة،
(١) «لزم حصول المعرفة» من «ت»، و«درء التعارض».
(٢) «د»: «ما يحتاج» مفسد للمعنى، والتصويب من مصدر النقل.