الأول الذي أبطلناه، وبيّنا أنه ليس في ذلك مَدْحٌ للفطرة.
وأما إن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها ــ وإن لم يوجد مَن يعلّمها أدلةَ المعرفة ــ[لزم حصول المعرفة]١ فيها بدون ما تسمعه من الأدلة، سواء قيل: إن المعرفة ضرورية فيها، أو قيل: إنها تحصل بأسباب تنتظم في النفس.
وإن لم تَسْمَعْ كلام مُستدِل فإن النفس قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما لا يحتاج٢ معه إلى كلام الناس، فإن كان كل مولود يولد على هذه الفطرة لزم أن يكون المقتضِي للمعرفة حاصلًا لكل مولود، وهو المطلوب، والمقتضِي التام يستلزم مقتضاه، فتبين أنّ أحد الأمرين لازم: إما كون الفطرة مستلزمة للمعرفة، وإما استواء الأمرين بالنسبة إليها، وذلك ينفي مدحها.
وتلخيص ذلك أن يقال: المعرفة والإيمان بالنسبة إليها ممكن بلا ريب: فإما أن تكون هي موجِبة مستلزمة لذلك، وإما أن لا تكون مستلزمة له، فلا يكون واجبًا لها، فإن كان الثاني لم يكن فرق بين الكفر والإيمان بالنسبة إليها، أو كلاهما ممكن لها، فثبت أن المعرفة لازمة لها، إلا أن يعارضها معارض.
فإن قيل: ليست موجِبة مستلزمة للمعرفة، ولكن هي إليها أَمْيل، مع قبولها للنَّكَرة.
قيل: فحينئذ إذا لم تستلزم المعرفة؛ وُجِدت٣ تارة، وعُدِمت تارة،
(١) «لزم حصول المعرفة» من «ت»، و«درء التعارض».
(٢) «د»: «ما يحتاج» مفسد للمعنى، والتصويب من مصدر النقل.
(٣) «درء التعارض» (٨/ ٤٤٧): «وجبت».
وهي وحدها لا تحصّلها، فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين، فيكون الإسلام والتهويد والتنصير والتَّمْجِيس.
ومعلوم أن هذه أنواعٌ بعضها أبعد عن الفطرة من بعض، كالتَّمْجِيس، فإن لم تكن الفطرة مقتضية للإسلام صار نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى التَّمْجِيس، فوجب أن يذكر كما ذكر ذلك.
ويكون هذا ككون١ الفطرة لا تقتضي الرضاع إلا بسبب منفصل، وليس كذلك، بل الطفل يختار مصّ اللبن بنفسه، فإذا مُكِّن من الثدي وجدت الرضاعة لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرضع، فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض.
وأيضًا فإن حُبَّ النفس لله وخضوعها له وإخلاصها له، مع الكفر به والشرك والإعراض عنه ونسيان ذكره: إما أن يكون نسبتهما إلى الفطرة سواء، أو الفطرة مقتضية للأول دون الثاني؟
فإن كانا سواء لزم انتفاء المدح كما تقدم، ولم٢ يكن فرق بين دعائها إلى الكفر ودعائها إلى الإيمان، ويكون تَمْجِيسها كتحنيفها، وقد عُرِف بطلان هذا.
وإن كان فيها مقتضٍ لهذا: فإما أن يكون المقتضِي مستلزمًا لمقتضاه عند عدم المعارض، وإما أن يكون متوقّفًا على شخص خارج عنها. فإن كان