شفاء العليل

طعام، أو خوطب المُغْتَلِم بوصف النساء؛ فإن هذا مما يذكّره ويحرّكه ويثير شهوته الكامنة بالقوة في نفسه، لا أنه يُحْدِث له نفس تلك الإرادة والشهوة بعد أن لم تكن فيه، فيجعلها موجودة بعد أن كانت عدمًا.

فكذلك الأسباب الخارجة عن الفطرة، لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق ومحبته وتعظيمه والخضوع له، وإن كان ذلك مذكّرًا ومحرّكًا ومنبّهًا، ومزيلًا للعارض المانع.

ولذلك سَمّى الله سبحانه ما كمَّل به موجبات الفطرة: تذكيرًا وذكرى، وجعل رسوله مذكّرًا، فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]، وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]، وقال: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ﴾ [غافر: ١٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو﴾ [الزمر: ٩]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، وقال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨].

وهذا كثير في القرآن، يخبر أنّ كتابه ورسوله مذكِّر لهم بما هو مركوز في فِطَرهم من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله والخضوع له والإخلاص له، ومحبة شرعه الذي هو العدل المحض، وإيثاره على ما سواه.

فالفِطَر مركوز فيها معرفته ومحبته والإخلاص له، والإقرار بشرعه، وإيثاره على غيره، فهي تعرف ذلك وتشعر به مجملًا ومفصّلًا بعض التفصيل، فجاءت الرسل تذكّرها بذلك، وتنبّهها عليه، وتفصّله لها وتبيّنه، وتعرّفها الأسباب المعارضة لموجِب الفطرة، المانعة من اقتضائها أثرها.

448

وهكذا شأن الشرائع التي جاءت بها الرسل، فإنها أَمْر بمعروف، ونَهْي عن منكر، وإباحة طيّب، وتحريم خبيث، وأَمْر بعدل، ونَهْي عن ظلم. وهذا كله مركوز في الفطرة، وكمال تفصيله وتبيينه موقوف على الرسل.

وهكذا باب التوحيد وإثبات الصفات، فإن في الفطرة الإقرار بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه للخالق سبحانه، ولكن معرفة هذا الكمال على التفصيل مما يتوقف على الرسل، وكذلك تنزيهه عن النقائص والعيوب هو أمر مستقرّ في فِطَر الخلائق، خلافًا لمن قال من المتكلمين: إنه لم يقم دليل عقلي على تنزيهه عن النقائص، وإنما عُلِم بالإجماع.

فقُبْحًا لهاتيك العقول فإنهاعقال على أصحابها ووبالُ١

فليس في العقول أبين ولا أجلى من معرفتها بكمال خالق هذا العالم، وتنزيهه عن العيوب والنقائص، وجاءت الرسل بالتذكرة بهذه المعرفة وتفصيلها.

وكذلك في الفِطَر الإقرار بسعادة النفوس البشرية وشقاوتها، وجزائها بكسبها في غير هذه الدار، وأما تفصيل ذلك الجزاء والسعادة والشقاوة فلا يُعلم إلا بالرسل.

وكذلك فيها معرفة العدل ومحبته وإيثاره، وأما تفاصيل العدل الذي هو شرع الربّ تعالى فلا يُعلم إلا بالرسل.

فالرسل تذكّر بما في الفِطَر، وتفصّله وتبيّنه.

  1. (١) لم أقف عليه في مصدر آخر.
449

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي