بالمعبود الحق، بأن يُعبد معه غيره، والإشراك بعبادته الحقّة١، بأن يُعبد بغير شرعه.
وكثيرًا ما يجتمع الشركان: فيَعبد المشركُ معه غيره بعبادة لم يشرع سبحانه أن يتعبّد له بها، وقد ينفرد أحد المشركين فيشرك به غيره في نفس العبادة التي شرعها، أو يعبده وحده بعبادة شركية لم يشرعها، أو يتوسّل إلى عبادته بتحريم ما أحله.
وقد ذمّ الله سبحانه المشركين على هذين النوعين في كتابه في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما، يذكر فيها ذمّهم على ما حرموه من المطاعم والملابس، وذمّهم على ما أشركوا به من عبادة غيره، أو على ما ابتدعوه من عبادته بما لم يشرعه.
وفي «المسند»٢: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة»، فهي حنيفية في التوحيد وعدم الشرك، سمحة في العمل وعدم الآصار والأغلال، بتحريم كثير من الطيبات الحلال.
فيُعبَد سبحانه بما أحبَّه، ويُستعان على عبادته بما أحلّه، قال تعالى:
(١) «د»: «الحق»، والمثبت أشبه.
(٢) برقم (٢١٠٧)، وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٢٨٧)، وعبد بن حميد «المنتخب» (٥٦٩)، من طريق محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس يرفعه، وإسناده ضعيف؛ ابن إسحاق لم يصرح بالسماع، وفي رواية ابن الحصين عن عكرمة شيء، كما في «فتح الباري» لابن رجب (١/ ١٤٨). وللحديث عدة شواهد مسانيد ومراسيل يشد بعضها بعضًا يحسن بها، وقد علقه البخاري جازمًا في «الصحيح» (١/ ١٦)، وانظر: «تغليق التعليق» (٢/ ٤١).
وهذا هو الذي فطر الله عليه خلقه، وهو محبوب لكل أحد، مستقر سنته١ في كل فطرة، فإنه يتضمن التوحيد وإخلاص القصد والحب لله وحده، وعبادته وحده بما يحب أن يُعبد به، والأمر بالمعروف الذي تحبّه القلوب، والنهي عن المنكر الذي تبغضه وتنفر منه، وتحليل الطيبات النافعة، وتحريم الخبائث الضارة.
فصل٢
وهذا [الذي]٣ أخبر به النبي ﷺ من أن كل مولود يولد على الفطرة الحنيفية هو الذي تقوم الأدلة العقلية على صحته، وأنه كما أخبر به الصادق المصدوق، ومن خالف ذلك فقد غلط، وبيان ذلك من وجوه:
أحدها: أن الإنسان قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقًّا، وقد يحصل له منها ما يكون باطلًا؛ إذ اعتقاداته قد تكون مطابقة لمعتقَدها وهي الحق، والخبر عنها يُسمّى صدقًا، وقد تكون غير مطابقة وهي الباطل، والخبر عنها يُسمّى كذبًا.
والإرادات تنقسم إلى ما تكون نافعة له، متضمّنة لمصلحته، ومرادها هو الخير والحُسْن، وإلى ما هو ضارّة له، مخالفة لمصلحته، ومرادها هو الشر والقبيح.